ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٣٢ - ١٤٧ - متى كنت إذا أعطيت بسطك العطاء، و إذا منعت قبضك المنع، فاستدل بذلك على ثبوت طفوليتك، و عدم صدقك في عبوديتك
المؤلف به من دخل مع القوم و لم يتحقق بما تحققوا به من استواء الأحوال[١]، فإذا كنت أيها الفقير إذا أعطيت حظوظك و مناك و اتصلت بعوائدك و هواك من الغنى و العز و الجاه، و البسط و الصحة و العافية، و غير ذلك من الحظوظ و الشهوات انبسطت و فرحت، و إذا منعت من حظوظك و شهواتك، و أبدلك الغنى بالفقر، و العز بالذل، و الجاه بالخمول، و البسط بالقبض، و الصحة بالمرض، و العافية بالبلية، انقبضت و جزعت، فاستدل بذلك على ثبوت تطفلك على كلامهم، و لا نسبة لك من مقامهم، و إنما أنت طفيلي الأعراس، مازلت في غفلة النعاس، و استدل بذلك أيضا على عدم صدقك في عبوديتك، إذ الصدق في العبودية يقتضي استواء النعمة و البلية، كما قال الشاعر:
|
أحبائي أنتم أحسن الدهر أم أسا |
فكونوا كما شئتم أنا ذلك الخلّ |
|
قال أبو عثمان الحيري رضي اللّه تعالى عنه: لا يكمل الرجل حتى يستوي قلبه في أربع أشياء: في المنع و العطاء و العز و الذل انتهى.
فإذا كان الفقير يتضعضع عند الجلال، و ينهزم عند حملة الأبطال، فاعلم أنه ضعيف الحال، متطفل على مقامات الرجال. قال في التنوير: و قد ابتلى اللّه بحكمته و وجود منته الفقراء الذين ليسوا بصادقين، بإظهار ما كتموا من الرغبة، و أسروا من الشهوة، فابتذلوا أنفسهم لأبناء الدنيا مباسطين لهم، ملائمين لهم، موافقين لهم على ملذوذاتهم، مدفوعين على أبوابهم، فترى الواحد منهم يتزين كما تتزين العروس، معنتون بإصلاح ظواهرهم، غافلون عن إصلاح سرائرهم، و لقد و سمهم الحق بسمة كشف بها عوارهم و أظهر أخبارهم، فبعد أن كانت نسبته أن لو صدق مع اللّه أن يقال فيه عبد الكبير، فخرج من هذه النسبة لعدم صدقه، فصار يقال له: شيخ
[١] - النسبة هنا إلى" طفيل الأعراس" و المتبادر أن المصدر منها" تطفل" كما أسلف الشيخ من أول كلامه على الحكمه. إلا أن الأقرب عند الفقير كون الطفولية نسبة إلى الطفولة و هى نقيض الرجولة و الطفولية عكس الرجولية« يسبح له فيها بالغدو و الأصال رجال لا تلههم تجارة و لا بيع عن ذكر اللّه» و المعنى بقاء السالك على ما هو عليه من رعونات النفس و عدم أخذها بالمجاهدة كي ينتقل إلى الرجولية. و كلام أبو عثمان الحيري بعده شاهد على ذلك.