ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٥٢١ - ٢٩٣ - و صاحب حقيقة غاب عن الخلق بشهود الملك الحق، و فني عن الأسباب بشهود مسبب الأسباب
قلت: كل من لم يفن عن دائرة حسه و لم يغب عن شهود نفسه بشهود ربه، لا يطمع أن يتحرر من رق إحسان الخلق، إما اعتقادا أو استنادا، و لو جاهد نفسه في مراعاة التوحيد فلا بد من الطبع أن يسرق، بخلاف من تحقق بالزوال و غرق في بحر الوحدة فلا يسرقه شيء، و على تقدير غفلته فيكون سريع الانتباه.
ثم بين حال الفريقين في نظر الإحسان من المخلوقين فقال:
٢٩١- إما اعتقادا فشرك جليّ.
أي: لا خفاء في أن من نسب الفعل لغير اللّه استقلالا أنه كافر خارج عن الإيمان و إن كان ظاهره متوسما بوظائف الشريعة لأن من اعتقد خالقا أو رازقا مع اللّه استقلالا فهو كافر بالإجماع. ثم ذكر الثاني بقوله:
٢٩٢- و إما استنادا فشرك خفيّ.
قلت: الاستناد هو الميل الخفي بحيث إذا قلت له: من الذي رزقك يقول اللّه، لكن الغالب أن قلبه يسبق إلى رؤية الخلق قبل رؤية الخالق، و ربما يقول بلسان الحال أو المقال لو لا الذي جاء من قبله ما كان، و لو لا الأسباب ما كانت المسببات، فوقوفه مع ارتباط الأسباب دون النفوذ إلى مسبب الأسباب هو شركه الخفي. و لو نبذ الأسباب و نفذت بصيرته إلى شهود مسبب الأسباب لتبرأ من الشرك الجلي و الخفي، و لتحلى بمقام الإخلاص الكامل الوفي، و إليه أشار بقوله:
٢٩٣- و صاحب حقيقة غاب عن الخلق بشهود الملك الحقّ، و فني عن الأسباب بشهود مسبّب الأسباب.
قلت: الحقيقة هي شهود نور الحق في مظاهر الخلق، أو شهود نور الربوبية في قوالب العبودية، فصاحب الحقيقة هو الذي يغيب عن الخلق بشهود نور