ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٠٣ - ١٣١ - لولا جميل ستره لم يكن عمل أهلا للقبول
الباب الرابع عشر
قال رضي اللّه تعالى عنه:
١٣١- لولا جميل ستره لم يكن عمل أهلا للقبول.
قلت: لأن العمل الذي يكون أهلا للقبول هو الذي تتوفر فيه شروط القبول، و هو سر الإخلاص و غاية الحضور، و التبري فيه من الحول و القوة و هذا في غاية الندور، فلولا أن اللّه سبحانه تفضل علينا بجميل ستره فغطى مساوينا بجلائل لطفه و بره، ما كان عمل أهلا للقبول أصلا، و لكن الذي منّ بوجود الأعمال يمنّ بوجود القبول و الإقبال. قال بعضهم: ما هناك إلا فضله، و لا نعيش إلا في ستره، و لو كشف الغطاء لكشف عن أمر عظيم. و قال يحيى بن معاذ رضي اللّه تعالى عنه: مسكين ابن آدم، جسم معيب، و قلب معيب، يريد أن يخرج من معيبين عملا بلا عيب انتهى. قلت: و لهذا المعنى قال تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا، [الأحقاف: ١٦]، فعبر بعن التي تدل على التجاوز و لم يقل نتقبل منهم، فكأنه قال: أولئك الذين نتجاوز عنهم في أعمالهم فنتقبلها منهم، و اللّه تعالى أعلم. و روي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم أنه قال: «البلاء و الهوى و الشهوة معجونة بطين آدم[١]»، قيل: و هو معنى قوله تعالى: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ [الإنسان: ٢]، أي أخلاط، فاختلط به البلاء و الهوى و الشهوة، فركب ابن آدم منها، فلزمته الثلاثة ما دامت بنيته قائمة و بشريته موجودة، فإذا انهدمت البشرية حسّا أو معنى لم يبق حكم النطفة الإمشاجية، و صار الحكم للروح النورانية، و اللّه تعالى أعلم. فإذا تقرر أن عملنا مدخول، و ليس أهلا للقبول، لو لا جميل ستره المأمول علمت أن
[١] - رواه ابن الجوزي في العلل( ٢/ ٧٧٥).