ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٢٨٥ - ١٢٢ - لا تطلب عوضا على عمل لست له فاعلا، يكفي من الجزاء لك على العمل أن كان له قابلا
معنى كلامه رضي اللّه تعالى عنه: أن جزاء أعمالك ما يليق بأفعالك الناقصة و جزاء الناقص ناقص، فاطلب منه ثمرة فضله فإنه كامل من كل وجه فهو أتم و أكمل، و اللّه تعالى أعلم. و كيف تطلب الجزاء على عمل لست له فاعلا، و لا علمت كون القبول له حاصلا؟ كما أشار إليه بقوله:
١٢٢- لا تطلب عوضا على عمل لست له فاعلا، يكفي من الجزاء لك على العمل أن كان له قابلا.
قلت: قد تقرر عند أهل الحق أن العبد مجبور في قالب مختار، فليس له فعل و لا اختيار، و إنما الفاعل هو الواحد القهار، قال تعالى: وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ يَخْتارُ، [القصص: ٦٨]، و قال تعالى: وَ اللَّهُ خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ [الصافات: ٩٦]، و قال تعالى: وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ [العنكبوت: ٢٩]، و قال صلى اللّه عليه و آله و سلم: «كلّ شيء بقضاء و قدر حتى العجز و الكيس[١]»، أي النشاط. و قال صلى اللّه عليه و آله و سلم: «كلّ ميسّر لما خلق له، فأمّا من كان من أهل السعادة فسييسّر لعمل أهل السعادة، و أمّا من كان من أهل الشقاوة فسييسّر لعمل أهل الشقاوة، ثمّ قرأ: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَ اتَّقى [الليل: ٥][٢]». الآيات. فإذا تقرر هذا فكيف يطلب العبد الأجر على عمل ليس هو فاعله، و على تقدير نسبته إليه فالجزاء متوقف على القبول، فمن أين تدري هل يكون مقبولا أم لا؟ و إذا تفضل عليك بالقبول على ما هو عليه من النقص و الخلل؛ فهذا يكفيك في جزائك على العمل، فلولا جميل ستره لم يكن عمل أهلا للقبول، فلو لا أن اللّه سبحانه تفضل على عباده بالعفو و الحلم ما قبل عملا قط؛ إذ تصفية الأعمال كادت أن تكون من المحال، قال اللّه تعالى: وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الأنعام: ٩١]، أي عظموه حق تعظيمه،
[١] - تقدم تخريجه.
[٢] - رواه البخاري في الأدب المفرد( ١/ ٣١١)، و ذكره ابن كثير في التفسير( ٢/ ٢١٠).