ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٥٠٠ - ٢٦٢ - الفكرة سير القلب في ميادين الأغيار
و باللّه التوفيق. و سبب البركة في العمر هو التفرغ من الشواغل و الشواغب، فمن كثرت شواغله و شواغبه لا بركة له في عمره، لأنه منع من تصريفه في طاعة مولاه بمتابعة شهواته و تحصيل مناه، و من تفرغ من الشواغل و لم يقبل على مولاه فهو مخذول مصروف عن طريق استقامته و هداه، كما أبان ذلك بقوله:
٢٦١- الخذلان كلّ الخذلان أن تتفرّغ من الشواغل ثمّ لا تتوجّه إليه، و تقلّ عوائقك ثمّ لا ترحل إليه.
قلت: إذا قلّت شواغلك في الظاهر و عوائقك في الباطن ثم لم تتوجه إليه في ظاهرك و لم ترحل إليه في باطنك فهو علامة غاية الخذلان الكبير، لأن جل الناس ما حبسهم عن التوجه إلى اللّه إلا كثرة أشغالهم الحسية، فاشتغلت جوارحهم بخدمة الدنيا في الليالي و الأيام و الشهور و الأعوام، حتى انقرض العمر كله في البطالة و التقصير، فهذا هو الخذلان الكبير، و من الناس من قلّت شواغلهم الظاهرة لوجود من قام لهم بها، لكن كثرت علائقهم في الباطن، لكثرة ما تعلق بهم من الشواغب، فهم مغرقون في التدبير و الاختيار، و الاهتمام بأمور من تعلق بهم من الأنام لا سيما من كان له جاه و رياسة و خطة أو سياسة، فهذا باعتبار العادة بعيد من الإقبال على مولاه إلا إن سبقت له سابقة عناية فتجره إلى رحمة ربه و رضاه. و الحاصل: أن الخير كله في التخفيف من الشواغل و العلائق، فمن تفرغ منهما فهو قريب من الحضرة، و أما من كثرت شواغله و عوائقه فأمره بعيد، لأن فكرته مشغولة بالعلائق و المخاطف، فمهما همّ بالسير جذبته المخاطف إليها، و بقي مرهونا معها، و هو الذي أشار إليه بقوله:
٢٦٢- الفكرة: سير القلب في ميادين الأغيار.
فمن لا تفرغ له لا فكرة له، و من لا فكرة له لا سير له، و من لا سير له لا وصول له، فالفكرة هي سير القلب إلى حضرة الرب، و ذلك السير في ميادين الأغيار: أي في مجال شهود الأغيار، ليستدل بها على وجود الأنوار، فهذه فكرة أهل الحجاب، و فكرة أهل الشهود سير الروح في ميادين الأنوار، أو سير السر في ميادين الأسرار، فتكلم الشيخ على بداية الفكرة و لم يتكلم على