ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٢٧٧ - فما كل مصل مقيما
تحجير الصلاة عنك في بعض الأوقات أن يكون همك إقامة الصلاة، و هو إتقانها و القيام بحقوقها الظاهرة و الباطنة لا وجود الصلاة من غير إقامة، فهي ميتة خاوية فهي إلى العقوبة أقرب. قال الإمام القشيري رضي اللّه تعالى عنه: إقامة الصلاة هو القيام بأركانها و سننها ثم الغيبة عن شهودها برؤية من يصلي له فتحفظ عليه أحكام الأمر بما يجري عليه منه و هو عن ملاحظتها محو، فنفوسهم منه مستقبلة إلى القبلة، و قلوبهم مستقرة في حقائق الوصلة انتهى. و قال المؤلف رضي اللّه تعالى عنه: إقامة الصلاة حفظ حدودها مع حفظ السر مع اللّه عز و جلّ لا يختلج بسرك سواه انتهى. و كتب عمر بن عبد العزيز رضي اللّه تعالى عنه إلى عماله: إن أهم أموركم عندي الصلاة، فمن حفظها و حافظ عليها فهو لما سواها أحفظ، و من ضيعها فهو لما سواها أضيع انتهى من الشيخ زروق.
ثم ذكر وجه كون المطلوب هو الإقامة دون الوجود من حيث هو فقال:
[فما كلّ مصلّ مقيما].
قلت: لأن الإقامة في اللغة هو الإكمال و الإتقان، يقال أقام فلان داره: إذا أكملها و جعل فيها كل ما يحتاج إليه، فإقامة الصلاة إتقانها كما تقدم و ضد الإقامة هو الإخلال و التفريط، فليس كل مصل مقيما، فكم من مصل ليس له من صلاته إلا التعب. و في بعض الأحاديث: «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء و المنكر لم تزده من اللّه إلا بعدا[١]»، و في حديث آخر عنه صلى اللّه عليه و آله و سلم: «إذا صلى العبد صلاة فلم يتمّ ركوعها و لا سجودها و لا خشوعها لفّت كما يلفّ الثوب الخلق ثمّ يضرب بها وجهه[٢]»، أو كما قال صلى اللّه عليه
[١] - رواه القضاعي في مسند الشهاب( ١/ ٣٠٥)، و ذكره ابن كثير في التفسير( ٣/ ٤١٥)، و القرطبي في التفسير( ١٣/ ٣٤٨).
[٢] - رواه الطبراني في الأوسط( ٣/ ٢٦٣)، و ذكره المنذري في الترغيب و الترهيب( ١/ ١٥٧).