ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٢٦٧ - ١١٣ - شروق الأنوار على حسب صفاء الأسرار
أسرار الذات، و تتعلق لها أنوار الصفات، فتغيب بشهود الذات عن أثر الصفات، ثم ترد إلى شهود الصفات بالذات، و الذات بالصفات لا يحجبها جمعها عن فرقها، و لا فرقها عن جمعها، تعطي كل ذي حق حقه، و توفي كل ذي قسط قسطه. قال شيخ شيخنا مولاي العربي رضي اللّه تعالى عنه في بعض رسائله: فإن قلتم أي وقت نكون كالجبال: تَحْسَبُها جامِدَةً وَ هِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ [النمل: ٨٨]، قلنا: إذا زهدتم في الدنيا بالكلية، و قطعتم الإياس من الرجوع إليها بالكلية، ثم اعتقدتم في شيوخكم أنهم كمّل، و أنهم على قدم الأنبياء : من ورثة النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم، فو اللّه العظيم لينزل عليكم المدد الليل و النهار و الشهر و العام، و في كل وقت و ساعة و لحظة، حتى تمتلئ قلوبكم بمعرفة اللّه، و تطمئن قلوبكم بذكر اللّه و تكونوا كالجبال الراسية، هذا معنى كلامه باختصار رضي اللّه تعالى عنه، و هو كما قال، لأن الزاهد في الدنيا تفرّغ قلبه و تخلّى من الأكدار، و تهيأ للأنوار، فإذا نزل المدد وجد القلب متسعا مطهرا منظفا، فملأه من أنواره، و حلاه بحلية أسراره، بخلاف ما إذا كان القلب معمورا بأغيار الدنيا لم يجد المدد موضعا ينزل فيه، فيرجع من حيث جاء، و اعتقاد كمال الشيوخ هو عين الصدق، و بقدر الصدق ينبع المدد، و لا يمكن أن ينقطع الوهم أو يذهب الحس إلا بالصدق مع الزهد، فبالزهد يتهيأ للمدد، و بالصدق يفيض عليه المدد، فكلما فاض ماء المدد غسل أوساخ الوهم، فإذا لم يبق للوهم أثر حصل الغرق في البحر، و اللّه تعالى أعلم.
ثم فسر الأمداد و كيفية الاستعداد فقال:
١١٣- شروق الأنوار على حسب صفاء الأسرار.
قلت: شروق أنوار المعارف في أفق سماء القلوب يكون على قدر صحوها من سحب الآثار، و غيم الأغيار، و غين الأنوار، كما قال الشاعر: