ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٦ - ٤ - أرح نفسك من التدبير فما قام به غيرك عنك لا تقم به أنت لنفسك
و إن وجدت سور القدر مضروبا عليه لا تخرقه بل تتأدب معه و ترجع لوصفها و هي العبودية فلا تتأسف و لا تحزن بل ربما تفرح لرجوعها لمحلها و تحققها بوصفها. و قد كان شيخ شيوخنا سيدي علي رضي اللّه تعالى عنه يقول: نحن إذا قلنا شيئا فخرج فرحنا مرة واحدة، و إذا لم يخرج فرحنا عشر مرات و ذلك لتحققه بمعرفة اللّه. قيل لبعضهم: بماذا عرفت ربك؟ قال: بنقض العزائم. و قد يحصل هذا التأثير للهمة القوية و إن كان صاحبها ناقصا كما يقع للعاين و الساحر عن خبثهما أو لخاصية جعلها اللّه فيهما إذا نظرا لشيء بقصد انفعل ذلك بإذن اللّه، و هذا كله أيضا لا يخرق أسوار الأقدار بل لا يكون إلا ما أراد الواحد القهّار قال تعالى: وَ ما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [البقرة: ١٠٢]، و قال تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ [القمر: ٤٩]، و قال تعالى: وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [الإنسان: ٣٠]، و قال صلى اللّه عليه و آله و سلم: «كلّ شيء بقضاء و قدر حتّى العجز و الكيس[١]» أي النشاط للفعل و أشعر قوله: «سوابق» أن الهمم الضعيفة لا ينفعل لها شيء، و هو كذلك في الخير و الشر و في استعارته الخرق و الأسوار ما يشعر بالقوة في الجانبين لكن الحاصر قاهر فلا عبرة بقوة العبد القاصر و إذا كانت الهمة لا تخرق أسوار الأقدار فما بالك بالتدبير و الاختيار الذي أشار إليه بقوله:
٤- أرح نفسك من التّدبير فما قام به غيرك عنك لا تقم به أنت لنفسك.
قلت: التدبير في اللغة: هو النظر في الأمور و أواخرها، و في الاصطلاح:
هو كما قال الشيخ زروق رضي اللّه تعالى عنه: تقدير شؤون يكون عليها في المستقبل بما يخاف أو يرجى بالحكم لا بالتفويض فإن كان مع تفويض و هو أخروي فنية خير، أو طبيعي فشهوة، أو دنيوي فأمنية. انتهى. فاقتضى كلامه أن
[١] - رواه الربيع في مسنده( ١/ ٤٧)، و الطبراني في الأوسط( ٦/ ١٤٧).