ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤١٠ - ٢٠٠ - لا تدهشك واردات النعم عن القيام بحقوق شكرك، فإن ذلك مما يحط من وجود قدرك
لشيخ عارف إلى وقت ضلالته، و ينظر إذا كان عارفا إلى وقت جهالته، و هكذا كل نعمة ينظر إلى وجود ضدها الذي كان موجودا فيه قبل ذلك، فلا شك أنه يعرف قدرها فيشكرها فتدوم عليه، و أما من لم يتفكر في حال النعم فلا يعرف قدرها، فيغفل عن شكرها، فيسلب منها و هو لا يشعر. قال بعضهم: شكر اللّه تعالى باللسان: هو الاعتراف بالنعمة على وجه الخضوع، و شكر اللّه باليد: هو الاتصاف بالخدمة على وجه الإخلاص، و شكر اللّه بالقلب: هو مشاهدة المنة و حفظ الحرمة. و قال الجنيد رضي اللّه تعالى عنه: ألا ترى نفسك أهلا للنعمة، و ألا تعصي اللّه بنعمته، انتهى. فإن قلت: كيف بشكر النعم و هي لا تحصى؟ قلت: القيام بها هو الاعتراف بها للمنعم وحده، و إلى هذا المعنى أشار الشيخ بقوله:
٢٠٠- لا تدهشك واردات النعم عن القيام بحقوق شكرك، فإنّ ذلك مما يحطّ من وجود قدرك.
قلت: قد يتفكر الإنسان في نفسه و ما به من النعم فيجد نفسه مغموسا في النعم حسية و معنوية، فينظر في نعمة البصر، في نعمة السمع، في نعمة الشم، في نعمة الذوق، في نعمة الكلام، في نعمة العقل، في نعمة اليدين، في نعمة الرجلين، في نعمة الصحة و العافية، في نعمة الكفاية، في نعمة الأهل، في نعمة الأولاد، ثم في نعمة الهداية إلى الإسلام، ثم في نعمة الإيمان، ثم في نعمة الطاعة، ثم في نعمة العلم، ثم في نعمة من يستعين به من الإخوان، ثم في النعمة الكبرى: نعمة الشيخ، فيما أعد اللّه له بعد الموت الذي لا نهاية له، فإذا وجد نفسه مغمورا في النعم فلا يدهش منها و يتحقر في نفسه عن القيام بشكرها، فإن الاعتراف بها و معرفتها و الإقرار بها أنها من اللّه بلا واسطة هو شكرها، و قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [الفاتحة: ٢]، كاف في شكر اللسان، ألا ترى أن الجنة هي من أعظم النعم؟ فكان شكر أهل الجنة فيها: الحمد للّه رب العالمين، قال تعالى: وَ آخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [يونس: ١٠]، و قد جاء في بعض الأخبار أن داود ٧ قال: يا رب كيف أشكرك و أنا لا أستطيع أن أشكرك إلا بنعمة من