ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٥٣ - ١٦١ - استشرافك أن يعلم الخلق بخصوصيتك دليل على عدم صدقك في عبوديتك
ذلك ملكهم فركب في موكب من الناس فإذا السهل و الجبل قد امتلأ من الناس، فقال السائح: ما هذا؟ قيل له: الملك قد أظلك، فقال للغلام: ائتني بطعام فأتاه ببقل و زيت و قلوب الشجرة، فأقبل يحشو شدقه و يأكل أكلا عنيفا، فقال الملك: أين صاحبكم؟ قالوا: هذا، قالوا له:
كيف أنت؟ قال: كالناس. و في حديث آخر: فقال الملك: ما عند هذا من خير فانصرف عنه، فقال السائح: الحمد للّه الذي صرفك عني و أنت لي ذام، و من هذا النوع من الرياء خاف الكبار و عدّوا أنفسهم من الأشرار، كما روي [عن] الفضيل رضي اللّه تعالى عنه أنه قال:
من أراد أن ينظر إلى مراء فلينظر إلى هذا، و سمع مالك بن دينار امرأة تقول له: يا مرائي، فقال:
يا هذه وجدت اسمي الذي أضله أهل البصرة، إلى غير هذا مما روي عنهم في هذا المعنى، و لا يسلم من الرياء الجلي و الخفي إلا العارفون الموحدون، لأن اللّه تعالى طهرهم من دقائق الشرك، و غيب عن نظرهم رؤية الخلق، بما أشرق على قلوبهم من أنوار اليقين و المعرفة، فلم يرجوا منهم حصول منفعة، و لم يخافوا منهم وجود مضرة، فأعمال هؤلاء خالصة و إن عملوها بين أظهر الناس، و من لم يحظ بهذا و شاهد الخلق و توقع منهم حصول المنافع و دفع المضار فهو مراء بعمله، و إن عبد اللّه تعالى في قنة جبل بالنون: أي أعلاه، قاله الشيخ ابن عباد رضي اللّه تعالى عنه. و منها: أي و من علامة الرياء الخفية أيضا: استشراف العبد و تطلعه أن يعلم الناس بخصوصيته، كما أشار إليه بقوله:
١٦١- استشرافك أن يعلم الخلق بخصوصيّتك دليل على عدم صدقك في عبوديّتك.
قلت: إذا خصك الحق تعالى أيها الفقير بخصوصية من خصوصية خواصه، كزهد أو ورع أو توكل أو رضا أو تسليم أو محبة أو يقين في القلب أو معرفة، أو أظهر على يديك كرامة حسية أو معنوية، أو استخرجت فكرتك حكما أو مواهب كسبية أو لدنية، ثم استشرفت: أي تطلعت و تمنيت أن يعلم الخلق بخصوصيتك، بأن يطلعوا على تلك الخصوصية التي خصك اللّه بها، فذلك دليل على وجود الرياء الخفي في باطنك، و دليل على عدم صدقك في عبوديتك، بل أنت كاذب فيها، إذ لو كنت صادقا في عبوديتك لاكتفيت بعلم اللّه و قنعت