ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٣ - ٢ - إرادتك التجريد مع إقامة الله إياك في الأسباب من الشهوة الخفية، و إرادتك الأسباب مع إقامة الله إياك في التجريد انحطاط عن الهمة العلية
يكون الحق تعالى هو الذي يتولى إخراجك كما تولى إدخالك و ليس الشأن أن تترك السبب بل الشأن أن يتركك السبب». قال بعضهم: تركت السبب كذا و كذا مرة فعدت إليه فتركني السبب فلم أعد إليه قال: و دخلت على الشيخ أبي العباس المرسي و في نفسي العزم على التجريد قائلا في نفسي إن الوصال إلى اللّه تعالى على هذه الحالة التي أنا عليها بعيد من الاشتغال بالعلم الظاهر و وجود المخالطة للناس فقال لي- من غير أن أسأله-: صحبني إنسان مشتغل بالعلوم الظاهرة و متصدر فيها فذاق من هذا الطريق شيئا، فجاء إليّ، فقال لي يا سيدي:
أخرج عما أنا فيه و أتفرغ لصحبتك فقلت له: ليس الشأن ذا و لكن امكث فيما أنت فيه و ما قسم اللّه لك على أيدينا فهو لك واصل ثم قال: الشيخ و نظر إليّ و هكذا شأن الصديقين لا يخرجون من شيء حتى يكون الحق سبحانه هو الذي يتولى إخراجهم فخرجت من عنده و قد غسل اللّه تلك الخواطر من قلبي، و وجدت الراحة بالتسليم إلى اللّه تعالى و لكنهم كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم: «هم القوم لا يشقى بهم جليسهم[١]» انتهى. قال شيخنا رضي اللّه تعالى عنه: و إنما منعه من التجريد لشره نفسه إليه، و النفس إذا شرهت للشيء كان خفيفا عليها و الخفيف عليها لا خير فيه و ما خف عليها إلا لحظ لها فيه. ثم قال: فلا يتجرد المريد في حال القوة حتى تفوت إن أراد أن يستفيد نفسه، فإن جردها في حال القوة أتاه الضعف فيعقبه الخصمان و يشوشونه و يفتنونه، و ربما إذا لم يدركه المولى بلطفه سامح في الخلطة و يرجع إلى ما خرج منه حتى يسيء ظنه بأهل التجريد، و يقول ليسوا على شيء كلنا دخلنا البلد و ما رأينا شيئا و الذي يثقل عليه التجريد أولا هو الذي ينبغي له أن يتجرد لأنه ما ثقل عليها إلا حيث تحققت أن عنقها تحت السيف مهما حرك يده قطع أوداجها. انتهى المقصود منه. و أما المتجرد إذا أراد الرجوع إلى الأسباب من
[١] - رواه مسلم( ٤/ ٢٠٦٩، و الترمذي( ٥/ ٥٧٩)، و أحمد( ٢/ ٢٥١).