ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٩٠ - ٢٥٠ - دل بوجود آثاره على وجود أسمائه، و بوجود أسمائه على ثبوت أوصافه، و بوجود أوصافه على وجود ذاته، إذ محال أن يقوم الوصف بنفسه
يبدأ بالسلوك ثم يدركه الجذب ثم يصحو، فأرباب الجذب يكشف لهم أولا من غير مجاهدة عن شهود الذات، فيسكر بشهود نورها، فينكر الواسطة أصلا، و ينكر الشرائع إلا أنه مغلوب، ثم يرد من شهود الذات إلى شهود الصفات، فلا يرى إلا صفات الحق تكثفت و ظهرت و ينكر الأثر، ثم إذا شهد الصفات تعلق بالأسماء اللازمة لها، ثم يرجع إلى شهود آثاره فيقوم بأحكام عبوديته، و السالكون على عكس هذا، فيستدلون بوجود آثاره على وجود أسمائه، و بوجود أسمائه على وجود صفاته، و بوجود صفاته على وجود ذاته كما تقدم. فنهاية السالكين و هي شهود الذات بداية المجذوبين، و نهاية المجذوبين و هي شهود الأثر بداية السالكين، و لكن ليس بمعنى واحد، بل أحدهما نازل يشهد الأشياء باللّه و الآخر صاعد يشهد الأشياء بنفسه للّه، فربما التقيا في الطريق: كشهود الصفات و التعلق بالأسماء مثلا، هذا في ترقيه، و هذا في تدليه، فإذا وصلا معا اجتمعا لأن المرتقي يرجع للأثر الذي انتهى إليه المجذوب بعد شهود الذات و يكون رجوعه باللّه، فيجتمعان معا في مقام البقاء، و المترقي أكمل من المتدلي في التربية، لأنه قاسى شدائد الطريق و أهوالها بخلاف المجذوب فإنه كان محمولا و هو نادر، إذ الغالب على الناس السلوك ثم الجذب، و الطريق الشاذلية الغالب عليها الجمع بين الجذب و السلوك من أول قدم، و معنى الجذب هو اختطاف الروح من شهود الكون إلى شهود المكوّن. و اعلم أن الناس في الجملة على أربعة أقسام: سالكون فقط، مجذوبون فقط، سالكون ثم مجذوبون، و مجذوبون ثم سالكون، فالأولان لا يصلحان للتربية و الإرشاد، أما السالك فقط: فلأنه ظاهري محض فلا نور له في باطنه يجذب به، و أما المجذوب فقط: فلا سلوك عنده يسير به، و الآخران يصلحان للتربية مع أفضلية الأول. و اعلم أيضا أن حقيقة السلوك الأول هو شهود خلق بلا حق، و حقيقة الجذب هو شهود حق بلا خلق، و حقيقة السلوك الثاني هو شهود خلق بحق، و اللّه تعالى أعلم. ثم ما يدركه الواصل من أنوار الشهود و العيان ليست هي حسية يدركها كل إنسان، و إنما هي معان قلبية و أسرار باطنية ملكوتية، كما أبان ذلك بقوله: