ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٢٩٢ - ١٢٦ - منعك أن تدعي ما ليس لك مما هو للمخلوقين، أفيبيح لك أن تدعي وصفه و هو رب العالمين؟
ظهرت في مظاهر العبودية، فمن نظر للعظمة صرفا تحقق بعظمة الربوبية، و من نظر لظاهر المظهر تحقق بأوصاف العبودية، و الكامل ينظر لهما معا، فيتحقق بعظمة الربوبية في الباطن، و يتحقق بأوصاف العبودية في الظاهر فيعطي كل ذي حق حقه، فالجميع في باطنه مشهود، و الفرق في ظاهره موجود، و اللّه تعالى أعلم. فإن أظهر أوصاف الربوبية فقد تعدى طوره، و جهل قدره، فلابد أن تؤدبه القدرة، و إلى ذلك أشار بقوله:
١٢٦- منعك أن تدّعي ما ليس لك ممّا هو للمخلوقين، أفيبيح لك أن تدّعي وصفه و هو ربّ العالمين؟.
قلت: الحق تعالى غيور، فلا يحب لعبده أن يفشي سر خصوصيته، و لا يرضى لعبده أن يشاركه في أوصاف ربوبيته؛ فمن غيرته تعالى أن ستر سر الخصوصية بظهور وصف البشرية، و لو لا ذلك لكان سر الربوبية مبتذلا ظاهرا و ذلك مناقض لحكمته، و كيف و هو يقول: إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [الأنعام: ٨٣]، و من غيرته تعالى أن اختص بأوصاف الربوبية، و نهانا عن إظهارها و التحلي بها حالا أو مقالا، و ذلك كاتصاف العبد بالعز و العظمة و الكبر، و طلب الرياسة و العلو، أو ادّعاء ذلك بالمقال، فإن فعل شيئا من ذلك استحق من اللّه الطرد و النكال، ففي الحديث القدسي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم: «يقول اللّه تبارك و تعالى: الكبرياء ردائي، و العظمة إزاري، فمن نازعني واحدا منهما قصمته[١]»، و قال أيضا صلى اللّه عليه و آله و سلم:
«لا أحد أغير من اللّه فلذلك حرّم الفواحش ما ظهر منها و ما بطن[٢]».
[١] - رواه أحمد( ٢/ ٣٧٦)، و عبد اللّه بن أحمد في السنة( ٢/ ٤٧٣)، و ذكره القرطبي في التفسير( ١٨/ ٤٧).
[٢] - رواه البخاري( ٤/ ١٦٩٦)، و مسلم( ٤/ ٢١١٤)، و الترمذي( ٥/ ٥٤٢)، و النسائي في الكبرى( ٦/ ٣٤٥).