ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٢٣٥ - و ربما قضى عليك الذنب، فكان سببا في الوصول
كما نبه على ذلك بقوله:
٩٥- ربّما فتح لك باب الطاعة، و ما فتح لك باب القبول.
قلت: لا عبرة بالطاعة إذا لم يصحبها قبول، كما لا عبرة بالسؤال حيث لم يحصل به مأمول، إذ الطاعة إنما هي وسيلة المحبة المطاع و إقباله على المطيع بحيث يفتح في وجهه الباب، و يرفع عن قلبه وجود الحجاب، و يجلسه على بساط الأحباب، فإذا فتح لك باب العمل، و بلغت في تحصيله غاية الأمل غير أنك لم تجد له ثمرة، و لم تذق له حلاوة من الأنس باللّه و الوحشة مما سواه، و من الغنى به و الانحياش إليه، و الاكتفاء بعلمه، و القناعة بقسمته، فلا تغتر بذلك أيها المريد فربما فتح لك باب طاعته، و أنهضك إلى خدمته، و لم يفتح لك باب القبول و منعك بها من الوصول حيث اعتمدت عليها و ركنت إليها، و أنست بها و أشغلتك حلاوتها عن الترقي إلى حلاوة شهود المنعم بها، و لذلك قال بعضهم:
احذروا حلاوة الطاعات، فإنها سموم قاتلة، لأنها تقبض صاحبها في مقام الخدمة، و يحرم من مقام المحبة، و فرق كبير بين من شغله بخدمته و بين من اصطفاه لمحبته و اجتباه لحضرته، فإجراء الذنب على العبد أحسن من مثل هذه الطاعة التي تكون سبب الحجاب، كما نبه عليه بقوله:
[و ربما قضى عليك الذّنب، فكان سببا في الوصول].
قلت: و ذلك أن العبد إذا كان سائرا لمولاه قاصدا لوصول حضرة حبيبه و رضاه قد يحصل له كلل، أو يصيبه ملل أو يركبه كسل، فسلط الحق عليه ذنبا أو تغلبه نفسه فيسقط، فإذا قام من سقطته جد في سيره و نهض من غفلته و نشط من كسله، فلا يزال جادّا في طلب مولاه غائبا عما سواه حتى يدخل حضرته و يشاهد طلعته، و هي الحضرة التي هي تجليات الحق، و أسرار ذاته.
و مثال ذلك: رجل مسافر أصابه في الطريق نوم أو كسل فيسقط، فيضربه