ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٨٦ - ٢٤٩ - لا يلزم من ثبوت الخصوصية عدم وصف البشرية
الحديث: «اشتاقت الجنّة إلى عليّ و صهيب و بلال[١]» كانوا من أهل الصفة و النار تهابه و هو في غيبة عنها، و قد ورد في الحديث أنها تقول يوم القيامة: «جزيا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي[٢]»، أو كما قال عليه الصلاة و السلام. فأنت أيها الإنسان محبوس مع الأكوان في عالم الأشباح، مقيد في قيودها، فهي حينئذ تتصرف فيك كيف شاءت، حين تكون تحبها و تحرص عليها و تشتاق إليها كائنة ما كانت، شهادية أو غيبية، ما لم تشهد المكوّن و تعرفه، فإذا شهدت المكّون و عرفته كانت الأكوان معك، لأنك تكون حرّا عنها و هي مملوكة لك لا تحب منها شيئا من حيث كونيتها، و لا تخاف منها شيئا كذلك، لأنك قد رحلت عنها إلى عالم الأرواح، فحينئذ تكون في قبضتك تتصرف فيها كيف شئت، لأنك حينئذ تصير خليفة اللّه في أرضه، الكون كله في قبضتك و عند همتك، لأنك علقت همتك باللّه فصير الأشياء عند همتك. و في بعض الآثار المروية عن اللّه عز و جلّ يقول: «عبدي اجعلني مكان همّك أكفك كل همّك، ما كنت بك فأنت في محل البعد، و ما كنت بي فأنت في محل القرب، فاختر لنفسك[٣]». و قال بعض الأشياخ: إني لأدخل السوق و الأشياء كلها تشتاق إلي و أنا غني عنها. و قال ابن الجلا رحمه اللّه:
من علت همته عن الأكوان وصل إلى مكونها، و من وقف بهمته على شيء دون الحق فقد حجب به عنه، لأنه أعز من أن يرضى معه بشريك انتهى. فمن رفع همته عن الأكوان و متع بشهود المكوّن فقد ثبتت له الخصوصية الكبرى و الولاية العظمى، و لا يلزم من رفع الهمة عن الأكوان استغناؤه عما تحتاج إليه البشرية مما يقوم به وصفها اللازم لها، و إليه أشار بقوله:
٢٤٩- لا يلزم من ثبوت الخصوصيّة عدم وصف البشريّة.
المراد بالوصف البشري: ما جعله اللّه محتاجا إليه بحكمته في قوام بدن الإنسان من أكل و شرب و لباس و مسكن، و ما فطره عليه من شهوة مباحة كنكاح و شهوة غير محرمة، فهذه الأوصاف
[١] - رواه الحاكم في مستدركه( ٣/ ١٤٨)، و أبو نعيم في الحلية( ١/ ١٩١)، و ابن الجوزي في العلل المتناهية( ١/ ٢٨٤)، بزيادة و نقص في الروايات، ففي بعضها سلمان، و عمار.
[٢] - رواه الطبراني في الكبير( ٢٢/ ٢٥٨)، و البيهقي في الشعب( ١/ ٣٤٠).
[٣] - لم أقف عليه بهذا اللفظ في كتب الحديث.