ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٤٥ - ١٥٦ - سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه، و لم يوصل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه
الباب السابع عشر
قال رضى اللّه تعالى عنه:
١٥٦- سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه، و لم يوصّل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه.
قلت: الدليل هو الموصل للمطلوب، فإذا صار الحق تعالى بك إلى ولي عارف به و دلك عليه، فقد سار بك إلى معرفته و دلك عليه، فمهما دلك على وليه، و أطلعك على سره، فقد دلك عليه قطعا، و وصلك إلى حضرته سريعا، فلم يجعل الحق سبحانه الدلالة على أوليائه و الوصول إليهم إلا من جهة الدلالة عليه، و لم يوصل أحدا إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه؛ فلأجل هذه الملازمة و عدم الانفكاك تعجب الشيخ من ذلك. و قال شيخنا رضي اللّه تعالى عنه في قول المؤلف رضي اللّه تعالى عنه: وصولك إلى اللّه وصولك إلى العلم به، قال: وصولك إليه وصولك إلى عارف به، يعني مهما وصلك إلى عارف به و أطلعك عليه فقد وصلك إليه، و مهما حجبك عن العارفين به فقد حجبك عنه، فلا طريق إلى معرفة اللّه إلا من طريق معرفتهم، و لا دليل على اللّه: أعني على معرفته الخاصة العيانية إلا من حيث الدليل عليهم، و كما حجب الحق سبحانه ذاته المقدسة بعزته و قهريته كذلك حجب أولياءه بما أظهر عليهم من أوصاف البشرية، فلا يعرفهم إلا من سبقت له العناية الربانية، إذ لا يعرف الخواص إلا الخواص. قال في «لطائف المنن»: أهل اللّه من خاصة عباده هم عرائس الوجود، و العرائس محجوبون عن المجرمين، فهم أهل كهف الإيواء، فقليل من يعرفهم. و قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي اللّه تعالى عنه: معرفة الولي أصعب من معرفة اللّه، فإن اللّه معروف بكماله و جماله، و متى تعرف مخلوقا مثلك يأكل كما تأكل، و يشرب كما تشرب؟ ثم قال: و إذا أراد أن يعرفك بولي من أوليائه، طوى عنك شهود بشريته، و أشهدك وجود خصوصيته انتهى. و أيضا فإن الولي لا يعرف بالصورة الظاهرة، و إنما يعرف بالمعاني الباطنة، لأن اللّه لا يعبأ بالصور: