ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٢٠ - ١٣٩ - أظهر كل شيء بأنه الباطن، و طوى وجود كل شيء بأنه الظاهر
١٣٩- أظهر كل شيء بأنه الباطن، و طوى وجود كل شيء بأنه الظاهر.
قلت: مضمنه أن اسمه تعالى الباطن يقتضي ظهور الأشياء حسّا ليكون باطنا بسبب ظهور حسها، لأن الحس رداء أسرار المعاني، و اسمه الظاهر يقتضي بطون الأشياء: أي هلاكها و اضمحلالها، ليكون ظاهرا بما ظهر منها، هذا معنى قوله: أظهر كل شيء بأنه الباطن: أي بسبب أنه الباطن ليتحقق بطونه بها، و طوى وجود كل شيء بسبب أنه الظاهر ليتحقق انفراده بالظهور فيها. و الحاصل: أن الحصر في قوله تعالى: وَ الظَّاهِرُ يدل على أنه لا ظاهر معه فانطوى وجود الأشياء و اضمحل لها، و قوله: وَ الْباطِنُ يدل على أنه لا باطن سواه، فبطنت الأشياء كلها بعد ظهورها، فدل كلامه سبحانه أن ما ظهر به هو الذي بطن فيه، و الذي بطن به هو الذي ظهر فيه، و إلا لم يصح الحصر، فإن قلت: المتقابلان لا يجتمعان كالضدين، و كيف جمعتهما في ذات واحدة؟ قلت: لم يتواردا على محل واحد، بل ذلك باعتبارين، فاسمه الظاهر باعتبار الحس في عالم الحكمة، و اسمه الباطن باعتبار المعنى في عالم القدرة، فالحكمة ظاهرة، و القدرة باطنة، أو تقول: ظاهر باعتبار مظاهر الربوبية، باطن باعتبار قوالب العبودية، أو تقول: ظاهر باعتبار التعريف، باطن باعتبار التكييف، فالذات واحدة و الاعتبارات مختلفة و ذلك كثير، فتحصل أن الحق سبحانه ظاهر في بطونه، باطن في ظهوره، ما ظهر به هو الذي بطن فيه، و ما بطن به هو الذي ظهر فيه، أي ما ظهر فيه بحكمته هو الذي بطن فيه بقدرته، و ما بطن فيه بقدرته هو الذي ظهر فيه بحكمته، و هو الذي قصده الشاعر بقوله:
|
لقد ظهرت فلا تخفى على أحد |
إلا على أكمه لا يبصر القمرا |
|
|
لكن بطنت بما أظهرت محتجبا |
و كيف يعرف من بالعزة اسنترا |
|
و اللّه تعالى أعلم. تنبيه: قد كنت سألت الشيخين: أعني شيخنا و شيخه عن الخمرة الأزلية قبل تجليها هل تسمى ظاهرة باطنة أو إنما تسمى باطنة فقط للطافتها حينئذ؟ فأجابني: بأن ما كان هو الذي ظهر، و ليس الذي ظهر غير ما كان في الأزل: «كان اللّه و لا شيء معه، و هو الآن على