ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٥٤٤ - ٣٢٩ - بمنه و كرمه
و هو يتبختر في قميص جديد فقالت له: ما هذا التيه و العجب الذي ما رأيته منك قبل اليوم؟ فقال: و من أولى بهذا منى و قد أصبح لي مولى و أصبحت له عبدا. و قال ذو النون: رأيت شيخا في الركب يمشي و بيده مصحف و هو يقرأ و يهتز و يرقص في مشيته، فقلت: يا شيخ ما هذا الرقص؟ فقال: قلت في نفسي عبد من أنا؟ و كلام من أنا أتلو؟ و بيت من أنا قاصد؟ فهزتني حالة الفرح، و أطربني ذلك من غير قصد مني، انتهى. ثم توسل فيما طلب بمنة اللّه و كرمه، فقال:
٣٢٩- بمنه و كرمه.
أي: إنما أطلب ما تقدم من منة اللّه و كرمه لا بسبب عمل و لا حال، و كل هذا اعتماد على مولاه فيما أولاه، و تولاه في مبدئه و منتهاه. و هاهنا انتهى الكتاب، و ما بقي إلا مناجاة الكريم الوهاب. قال بعض الشراح: هذه المناجاة على قسمين: قسم يقضي بالتعريض و التأهب، و قسم يشهد بالتحقيق و التأدب، و أكثر ما يظهر فضلها للتالي في وقت الأسحار، و بعد صلاة الصبح، فلها هناك سر عظيم و فتح جسيم، فمن لازمها في ذينك الوقتين وجد بسطا زائدا على العادة، و لها خواص و أسرار يعرفها من جربها من العباد و الزهاد، و الطالبين لمعرفة رب العالمين، و قد ذكر بعضها ابن عباد في نظم الحكم فقال:
|
لم يبق إلا ما به المناجاة |
سياقه حقت له المراعاة |
|
|
لكونه يهذب الأسرارا |
و يجلب الأضواء و الأنوارا |
|
|
و أنت يا خلي و يا صفيي |
إن انتهجت نهج ذا الولي |
|
|
و سقته مساقه الجميلا |
منكسرا و خاضعا ذليلا |
|
|
رأيت فى باطنك الزيادة |
و الخير و استبشرت بالسعادة |
|
و وجه مناسبتها لما قبلها أن القلب إذا انبسط بالفرح بالحبيب، انطلق اللسان لمناجاة القريب، فقال في أولها ...