ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٠٠ - ١٣٠ - لو كنت لا تصل إليه إلا بعد فناء مساويك، و محو دعاويك لم تصل إليه أبدا، و لكن إذا أراد أن يوصلك إليه ستر وصفك بوصفه و غطى نعتك بنعته، فوصلك إليه بما منه إليك لا بما منك إليه
الأرواح، و بيع الأشباح، لقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [التوبة: ١١١]، أي جنة المعارف لأهل الجهاد الأكبر، و جنة الزخارف لأهل الجهاد الأصغر، و لقوله ٧: «موتوا قبل أن تموتوا[١]»، ذكره النقشبندي في شرح الهائية حديثا. و قال في لطائف المنن: لا يدخل على اللّه إلا من بابين: أحدهما: الموت الأكبر و هو الموت الحسي. و الثاني: الموت الذي تعنيه هذه الطائفة، يعني موت النفوس. و قال الششتري رضي اللّه تعالى عنه:
|
إن ترد وصلنا فموتك شرط |
لن ينال الوصال من فيه فضله |
|
و قال أيضا:
|
ليس يدرك وصالي |
كلّ من فيه بقيا |
|
و قال الشيخ أبو الحسن رضي اللّه تعالى عنه: لا يصل الولي إلى اللّه تعالى و معه شهوة من شهواته، أو تدبير من تدبيراته و اختيار من اختياراته انتهى.
و هذه التصفية ليست هي من فعل العبد و كسبه، و إنما هي بسابق عناية ربه، فلو كان العبد لا يصل إلى اللّه تعالى إلا بعد فناء مساوئه و محو دعاويه من حيث هو هو لم يصل أبدا، لكن الحق تعالى من كرمه وجوده إذا أراد أن يطوي عنه مسافة البعد أظهر له من أنوار قدسه و نعوت وصفه ما يغيب به العبد عن شهود نفسه، فحينئذ تفنى المساوي و تمتحق الدعاوي، فيحصل الوصول و يبلغ المأمول، بما من اللّه إلى العبد من سابق العناية و الوداد، لا بما من العبد إلى اللّه من الكد و الاجتهاد. و إن شئت قلت: فناء المساوي: هو التطهير من أوصاف البشرية، و هي الأخلاق المذمومة من حيث هي، و محو الدعاوى: هو التبري من الحول و القوة، بحيث لا يرى لنفسه فعلا و لا تركا و لا نقصا و لا كمالا، و إنما هي غرض لسهام الأقدار تجري عليها أحكام الواحد القهار، فتحقيق هذين الأمرين على الكمال، مع وجود النفس كاد أن يكون من المحال، لكن الحق
[١] - ذكره العجلوني في كشف الخفاء( ٢/ ٣٨٤)، و علي القاري في المصنوع( ١/ ١٩٨).