ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٢٠٥ - ٧٩ - مطلب العارفين من الله تعالى الصدق في العبودية، و القيام بحقوق الربوبية
و قصده أقرب لتحصيله. و قد ثبت أن حقائق علوم الصوفية منح إلهية، و مواهب اختصاصية لا تنال بمعتاد الطلب فلزم مراعاة وجه ذلك، و هو ثلاث: أولها:
العمل بما علم قدر الاستطاعة. الثاني: اللجأ إلى اللّه على قدر الهمة. الثالث:
إطلاق النظر في المعاني حال الرجوع لأصل السنة، فيجري الفهم و ينتفي الخطأ و يتيسر الفتح. و قد أشار الجنيد رحمه اللّه تعالى إلى ذلك بقوله: ما أخذنا التصوف عن القيل و القال و المراء و الجدال، إنما أخذناه عن الجوع و السهر و ملازمة الأعمال، أو كما قال. و في الخبر عنه صلى اللّه عليه و آله و سلم: «من عمل بما علم أورثه اللّه علم ما لم يعلم[١]». و قال أبو سليمان الداراني رضي اللّه تعالى عنه: إذا اعتقدت النفوس على ترك الآثام جالت في الملكوت، و رجعت إلى صاحبها بطرائف العلوم من غير أن يؤدي إليها عالم علما انتهى. فمن رجا أن يدرك هذه الأمور المتقدمة و شرع في أسبابها و تحصيل مبادئها كان علامة على نجح مطلبه، و كان رجاؤه صادقا. و من طمع فيها من غير أن يأخذ بالجد في أسباب تحصيلها كان أمنية أي غرورا و حمقا. و كان الحسن رضي اللّه تعالى عنه يقول: يا عباد اللّه اتقوا هذه الأماني، فإنها أودية النّوكى يحلون فيها، فو اللّه ما أتى اللّه عبدا بأمنية خيرا في الدنيا و الآخرة انتهى. و النوكى بفتح النون جمع أنوك، و هو الأحمق، و لما كان من رجا شيئا، و طمع فيه الغالب أنه يطلبه بيّن الشيخ خير ما يطلبه العبد و يرجوه، فقال:
٧٩- مطلب العارفين من اللّه تعالى الصدق في العبوديّة، و القيام بحقوق الرّبوبيّة.
قلت: المطلب مصدر بمعنى المفعول، أو اسم مكان. أي مطلوب العارفين و مقصودهم أو محل قصدهم و محل نظرهم، إنما هو تحقق الصدق في العبودية
[١] - رواه أحمد في جامع العلوم و الحكم( ١/ ٣٤٢).