ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٢٥٣ - ١٠٦ - من ظن انفكاك لطفه عن قدره فذلك لقصور نظره
تعلم ما نريد، فقلت: إني مسلط عليكم من البلاء بعدد أنفاسكم ما لا تقوم له الجبال الرواسي أتصبرون؟ قالوا: إن كنت أنت المبتلي فافعل ما شئت، هؤلاء عبادي حقّا انتهى.
و قال في التنوير: و إنما يعينهم على حمل الأحكام فتح باب الأفهام.
و إن شئت قلت: و إنما يقويهم على حمل البلايا واردات العطايا.
و إن شئت قلت: و إنما يقويهم على حمل أقداره شهود حسن اختياره.
و إن شئت قلت: و إنما يصبرهم على وجود حكمه علمهم بوجود علمه.
و إن شئت قلت: إنما يصبرهم على أفعاله ظهوره عليهم بوجود إجماله.
و إن شئت قلت: إنما صبرهم على القضاء علمهم بأن الصبر يورث الرضا.
و إن شئت قلت: إنما صبرهم على الأقدار كشف الحجب و الأستار.
و إن شئت قلت: إنما صبرهم على أقداره علمهم بما أودع فيها من لطفه و إبراره انتهى. و إلى هذا الأخير أشار بقوله:
١٠٦- من ظنّ انفكاك لطفه عن قدره فذلك لقصور نظره.
قلت: من أعظم إحسان اللّه و بره كون لطفه لا ينفك عن قدره، فما نزل القدر إلا سبقه اللطف و صحبه، و بهذا حكم النقل و العقل، أما العقل فما من مصيبة تنزل بالعبد إلا و في قدرة اللّه ما هو أعظم منها و قد وجد ذلك، فإذا نزلت بك أيها الإنسان مصيبة فاذكر من هو أعظم منك بلاء، فكم من إنسان يتقطع بالأوجاع! و كم من إنسان مبتلى بالجذام و البرص و الجنون و العمى! و كم من إنسان مطروح في الفنادق لا يجد من يبريه إلا من ابتلاه! و كم من إنسان أعمى أو مقعد أو محموم إلى ما لا يتناهى! نسأل اللّه عافيته الدائمة في الدارين.
و أما من جهة النقل فقد ورد في ثواب الأمراض و الأوجاع أحاديث كثيرة و آيات قرآنية في مدح الصابرين، منها قوله تعالى: إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ