ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٥٥١ - ٣٣٤ - إلهي وصفت نفسك باللطف و الرأفة بي قبل وجود ضعفي، أفتمنعني منهما بعد وجود ضعفي؟
أتعجبون لهذا الطائر؟ و اللّه للّه أرحم بعبده المؤمن من هذا الطائر بأفراخه[١]».
و روي عنه صلى اللّه عليه و آله و سلم أنه قال: «يخرج من النار رجلان ثم يمثلان أي: يوقفان بين يدي اللّه فيؤمر برجوعهما إلى النار، فيسرع أحدهما فيلقي نفسه فيها، و يتعاصى الآخر عن الرجوع، فيقال للذي رمى بنفسه: لم ألقيت نفسك في النار؟ فيقول: لئلا أكون عاصيا في الدنيا ثم أكون عاصيا في الآخرة. و يقال للآخر: لم لم تمتثل الأمر، كما فعل هذا فيقول: رجوت من كرم اللّه أن لا يعيدني إليها بعد أن أخرجني، فيؤمر بهما إلى الجنة». و أنشدوا:
|
و لو أن فرعون لما طغي |
و قال على اللّه قولا عظيما |
|
|
أناب إلى اللّه مستغفرا |
لما وجد اللّه إلا رحيما |
|
و كيف لا يرجى حلمه و كرمه و شمول لطفه و رحمته، و قد سبق وجود العباد لطفه و رأفته؟ كما أبان ذلك في المناجاة الخامسة حيث قال:
٣٣٤- إلهي وصفت نفسك باللطف و الرأفة بي قبل وجود ضعفي، أفتمنعني منهما بعد وجود ضعفي؟.
قلت: اللطف بالضم الرفق و المبرة، و صلاح العبد في عاقبته، و في القاموس:
لطف لطفا بالضم رفق و دنا، و لطف اللّه بك: أوصل إليك مرادك بلطف، انتهى. و الرأفة: شدة الرحمة و أرقها قاله في القاموس أيضا، و الضعف: ضد القوة. يقول رضي اللّه تعالى عنه شاكيا إلى اللّه ضعفه و فقره، و مستمدا من مولاه لطفه و رأفته. إلهي وصفت نفسك في كتابك العزيز الذي أنزلته إلينا باللطف و الرأفة، فقلت فيه: اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ [الشورى: ١٩]، و قلت: وَ إِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ [الحديد: ٩)]. و اتصافك باللطف و الرأفة قديم، فإذا كنت بنا لطيفا رحيما قبل وجود ضعفنا، فكيف لا تمنحنا من لطفك و رأفتك
[١] - رواه معمر في جامعه( ١١/ ٢٩٧)، و البيهقي في الشعب( ٢/ ٤٢١).