ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٦٩ - ٢٣٩ - ليس المتواضع الذي إذا تواضع رأى أنه فوق ما صنع، و لكن المتواضع الذي إذا تواضع رأى أنه دون ما صنع
و في الحديث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم: «إنّما الكرم التقوى، و إنّما الشرف التواضع، و إنما الغنى اليقين، و المتواضعون في الدنيا هم أصحاب المنابر يوم القيامة، إذا تواضع العبد رفعه اللّه إلى السماء السابعة، و لا يزيد التواضع العبد إلا رفعة، فتواضعوا ليرفعكم اللّه، و إذا رأيتم المتواضعين من أمّتي فتواضعوا لهم، و إذا رأيتم المتكبرين من أمتي فتكبّروا عليهم، فإنّ ذلك مذلّة لهم و صغار بهم[١]» انتهى. أوحى اللّه إلى موسى ٧: إنما أقبل عمل من تواضع لعظمتي، و لم يتكبر على خلقي، و ألزم قلبه خوفي، و قطع النهار بذكري، و كف نفسه عن الشهوات من أجلي انتهى. ثم فسر التواضع الكامل فقال:
٢٣٩- ليس المتواضع الذي إذا تواضع رأى أنه فوق ما صنع، و لكنّ المتواضع الذي إذا تواضع رأى أنه دون ما صنع.
قلت: التواضع الحقيقي هو الذي ينشأ ممن يشاهد الأشياء كلها منه، فإذا تواضع معها رأى أنها تستحق أكثر من ذلك التعظيم، و أن نفسه في الدناءة و الذل دون أي أسفل مما صنع من التواضع، و ليس المتواضع الذي يرى لنفسه مزية على الأشياء، فإذا تواضع معها رأى أن نفسه فوق و أفضل مما صنع من التواضع، فهذا هو المتكبر لأنه أثبت لنفسه تواضعا أكثر مما تستحقه، و هذه الحكمة كأنها بيان و تتميم لما قبلها. يحكى عن أبي الحسن بن الكرنبي أستاذ الجنيد رضي اللّه عنهما: أن رجلا دعاه ثلاث مرات إلى طعامه ثم يرده فيرجع إليه بعد ذلك، حتى أدخله داره في المرة الرابعة فسأله عن ذلك؟ فقال: قد ريضت نفسي على الذل عشرين سنة حتى صارت بمنزلة الكلب يطرد فينطرد، ثم يدعى فيعود، و يرمى له عظم فيجيب، و لو رددتني خمسين مرة ثم دعوتني بعد ذلك لأجبتك. قال أبو طالب رضي اللّه تعالى عنه: و حدّث عن بعض الصوفية أنه وقف على رجل يأكل فمد يده و قال: إن كان ثم شيء للّه تعالى، فقال:
اجلس فكل، فقال: أعطني في كفي فأعطاه في كفه، فقعد في مكانه يأكل، فسأله عن امتناعه
[١] - ذكره العجلوني في الكشف( ٢/ ١٤٣)، و ابن رجب في الجامع( ص ٣٣٣)، بنحوه مختصرا.