ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٥٥ - ١٦٢ - غيب نظر الخلق إليك بنظر الله إليك، و غب عن إقبالهم عليك بشهود إقباله عليك
١٦٢- غيّب نظر الخلق إليك بنظر اللّه إليك، و غب[١] عن إقبالهم عليك بشهود إقباله عليك.
قلت: الخلق في التحقيق عدم، و الوجود إنما هو للّه الواحد الأحد، فوجود السوى كالهباء في الهواء، أو كظلال الأشخاص، إن فتشته لم تجده شيئا، فغيب عنك أيها الفقير نظر الخلق اليك اكتفاء بنظر الحق إليك، إذ لا نظر لسواه، و غب عن إقبالهم عليك بالتعظيم و التكريم بشهود إقبال الملك الكريم، فغب عن الوهم بثبوت العلم، فإقبالك على الخلق إدبارك عن الحق، و إدبارك عن الخلق إقبالك على الحق و لا يجتمعان. و في الحديث عنه صلى اللّه عليه و آله و سلم في وصيته لابن عباس: «احفظ اللّه يحفظك، احفظ اللّه تجده تجاهك، إذا سألت فسأل اللّه، و إذا استعنت فاستعن باللّه، و اعلم أنّ الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه اللّه لك، و لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه اللّه عليك، جفّت الأقلام و طويت الصحف[٢]». و قال الشيخ أبو الحسن:
أيست من نفع نفسي لنفسي، فكيف لا أيأس من نفع غيري لها؟ و رجوت اللّه لغيري فكيف لا أرجوه لنفسي؟. و قال في لطائف المنن: اعلم أن مبنى الولي على الاكتفاء باللّه، و القناعة بعلمه، و الاعتناء بشهوده، قال اللّه سبحانه: وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق: ٣]، و قال سبحانه: أَ لَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ [الزمر: ٣٦]، و قال: أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى [العلق: ١٤]، و قال: أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [فصلت: ٥٣]، فسبيل أمرهم في بدايتهم الفرار من الخلق، و الانفراد بالملك الحق، و إخفاء الأعمال، و كتم الأحوال، تحقيقا لفنائهم، و تثبيتا لزهدهم، و عملا على سلامة قلوبهم، حتى إذا تمكن اليقين و أيدوا بالرسوخ و التمكين، و تحققوا بتحقيق الفناء، و ردوا إلى وجود البقاء، فهناك إن شاء الحق أظهرهم هادين إليه عباده، و إن شاء سترهم، فاقتطعهم عن كل شيء إليه .. إلخ كلامه.
[١] - في نسخة الحلبي و زهران: غيب.
[٢] - رواه الترمذي( ٤/ ٦٦٧)، و أحمد في المسند( ١/ ٢٩٣)، و الحاكم( ٣/ ٦٢٣).