ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٥٧٦ - ٣٦٠ - إلهي ترددي في الآثار يوجب بعد المزار، فاجمعني عليك بخدمة توصلني إليك
فلهذا تعجب الشيخ رحمه اللّه من تضاد الطالبين لأنه خارج عن مقدور البشر، و لكن لما كان الإنسان نسخة الوجود، و أشرف كل موجود، أودع فيه من أسرار حكمته ما يؤلف بين الضدين، و يجمع بين الكفؤين قال تعالى: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ* بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ [الرحمن: ١٩، ٢٠]. فمن ظهر أثر البرزخية على جوارحه عمل أعمال الدنيا و أعمال الآخرة، و من ظهر أثر البرزخية على قلبه جمع بين آمال الآخرة و مشاهدة الحضرة، و أشرق نورها عليه، و من ظهر أثر البرزخية على روحه جمع بين المشاهدة و المحبة، ثم قال:
و اعلم أن الأجسام تموت و تبعث و تنشر، و كذلك النفوس و الأرواح، فأما موت الأجسام فهو عند الخروج من الدنيا و تبدل القصور بالقبور، و أما موت النفوس فهي عند الخروج من الحظوظ و تبدلها بالحقوق، و أما موت الأرواح فهو رجوعها لعالمها النوراني، صفحة الملأ الأعلى على الهاجس النفساني، فإذا لم يبق للنفس نظر إلا للّه، و لا للروح تعلق إلا باللّه، و فني من لم يكن، و بقي من لم يزل انجمع الظاهر بالباطن، و الباطن بالظاهر، و تعينت المشاهدة من كل وجهة، و خوطب من سوى الحق بقوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [و حينئذ يهتف هاتف التجريد من مقام التفريد لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ فلم يجبه من عوالم البشرية و الصور الأثرية مجيب، فيجيب نفسه بنفسه اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ انتهى. و المراد منه مختصرا: و إنما أمر اللّه تعالى بالطاعة و العزم عليها لأنها سبب الوصول إليه حسبما جعلها الحق تعالى حكمة و شريعة، كما بين ذلك في المناجاة السابعة عشرة بقوله:
٣٦٠- إلهي ترددي في الآثار يوجب بعد المزار، فاجمعني عليك بخدمة توصلني إليك.
قلت: التردد في الآثار هو التردد بين إثباته و نفيه و هي حالة المستشرفين، فإذا