ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ١٤٥ - فإن من عرف ربه استصغر في جنب كرمه ذنبه
ثم خرج عني، قال الجنيد فقلت: الصواب ما قاله الشاب لأني إذا كنت في حالة الجفاء، ثم نقلني إلى شهود الصفاء، فذكر الجفاء في حال الصفاء جفاء انتهى.
قلت: نظر السري إلى أهل البداية، و نظر الجنيد إلى أهل النهاية، و الكل صواب، و اللّه تعالى أعلم. ثم ذكر موجب تصغير الذنب فقال:
[فإنّ من عرف ربّه استصغر في جنب كرمه ذنبه].
قلت: بل من عرف ربه غاب عن رؤية ذنبه لفنائه عن نفسه بشهود ربه، فإن صدر منه فعل يخالف الحكمة، غلب عليه شهود النعمة. قال تعالى: نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الحجر: ٤٩]، و أما قوله تعالى: وَ أَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ [الحجر: ٥٠]، فإنما هو لمن لم يتب. و قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم: «لو أذنبتم حتّى تبلغ خطاياكم عنان السماء ثمّ تبتم لتاب اللّه عليكم، و لو أنّ العباد لم يذنبوا لذهب اللّه بهم ثم جاء بقوم آخرين يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم و هو الغفور الرحيم[١]»، «و اللّه أفرح بتوبة عبده من الظّمآن الوارد، و من العقيم الوالد و من الضالّ الواجد لكن لا ينبغي أن يصغر عنده ذنبه حتى يغترّ بحلم اللّه[٢]»، و قد أوحى اللّه إلى داود ٧: يا داود قل لعبادي الصّدّيقين: لا يغتروا فإني إن أقم عليهم عدلي و قسطي أعذّبهم غير ظالم لهم، و قل لعبادي المذنبين: لا يقنطوا فإنه لا يعظم عليّ ذنب أغفره لهم انتهى.
و قال الجنيد رضي اللّه تعالى عنه: إذا بدت عين من الكريم ألحقت المسيء بالمحسن. و قال الشيخ أبو العباس رضي اللّه تعالى عنه في حزبه: إلهي معصيتك نادتني بالطاعة، و طاعتك نادتني بالمعصية، ففي أيهما أخاف، و في أيهما أرجو؟
إن قلت بالمعصية قابلتني بفضلك فلم تدع لي خوفا، و إن قلت بالطاعة قابلتني
[١] - رواه مسلم( ٤/ ٢١٠٦)، و أحمد( ١/ ٢٨٩) بنحوه.
[٢] - رواه البخاري( ٥/ ٢٣٢٤)، و مسلم( ٤/ ٢١٠٢)، و الترمذي( ٥/ ٥٤٧)، و النسائي في الكبرى( ٦/ ٤٥٣)، و ابن ماجه( ٢/ ١٤١٩).