ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٥٣٣ - ٣١٤ - و محال أن يراه و يشهد معه سواه
٣١٤- و محال أن يراه و يشهد معه سواه.
قلت: لأن ثبوت السوى حجاب، فلا يصح الشهود حتى يزول كل موجود و لا يبقى إلا واجب الوجود، و يرى ما سواه كأنه ظلال أو خيال عند التحقيق مفقود. فإن قلت: إذا كان السوى مفقودا فلم قال ٧ في تفسير الإحسان «أن تعبد اللّه كأنك تراه». و قال لمعاذ: «اعبد اللّه كأنك تراه»، فأتى بكاف التشبيه إذا كانت الرؤيا حاصلة فكيف يشبهه ٧ بمن يرى؟ فالجواب: أنه ٧ في محل التشريع و التحقيق، و هذا الحديث وقع في محفل كبير فيه من هو من أهل المراقبة، و فيه من هو من أهل المشاهدة، فأتى بكلام يقبله الخاص و العام، فالكل مخاطب بإتقان العبادة كأنه يشاهد، فمنهم من بلغ ذلك ذوقا، و منهم من يكون منه ذلك مجاهدة. و أيضا شهود أنوار الملكوت سر من أسرار الربوبية لا تفشى لغير أهلها، و لو قال ٧ أن تعبد اللّه لأنك تراه أي: ترى أنوار جبروته متدفقة لرياض ملكوته لكان فيه إفشاء لسر الربوبية و لا يفهمه إلا الخواص، و قد قال ٧: «خاطبوا الناس بقدر ما يفهمون[١]». فأتى بكلام موجه يقبله أهل الظاهر و أهل الباطن، فأهل الظاهر يتركون الكاف على بابها، و أهل الباطن يجعلونها بمعنى اللام، لأن رؤية البصيرة عندهم في معد العيان لأن البصر إذا فتحت البصيرة غلبت عليه و لم يبق له حكم أصلا. و أيضا الرؤية إذا أطلقت إنما تنصرف للبصر، فلو لم يأت بالتشبيه لتوهم أن اللّه تعالى يرى بالبصر
[١] - رواه العقيلي في الضعفاء( ٤/ ٤٢٥)، و ذكره الحافظ في اللسان( ٦/ ٢٧٤)، و المناوي في الفيض( ٣/ ٣٧٨)، بلفظ: خاطبوا- أو- كلموا الناس على قدر عقولهم، و قال ابن القيم:
أحاديث العقل كلها كذب كما في المنار المنيف( ص ٦٠)، و نقد المنقول( ص ٦٦).
قلت: هذا مسلم به من ناحية الإسناد عند الحفاظ، أما من ناحية المحققين من أهل الكشف فما ذكر منها كحديثنا هذا في كلامهم و كتبهم فهو مما قد صح بالكشف عندهم فكلهم من رسول اللّه ملتمس.