ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٢٧٩ - ١١٩ - الصلاة مطهرة للقلوب
الدنيا ما دامت في اليد و هو معمور بها، لا يسلم القلب من خواطرها حتى يخرج عنها، و حينئذ يستريح من مساوئها، و اللّه تعالى أعلم. و مما يعين أيضا على الخشوع: الإكثار من ذكر اللّه بالقلب و القالب و إدمان الطهارة، لأن الظاهر له تعلق بالباطن، إذا طهر هذا طهر هذا، و باللّه التوفيق.
ثم ذكر نتائج الصلاة و ثمراتها، و مرجعها إلى ستّ كل واحدة توصل إلى ما بعدها: وَ أَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى [النجم: ٤٢]، فأشار إلى الأولى بقوله:
١١٩- الصلاة مطهرة للقلوب.
قلت: إنما كانت الصلاة طهارة للقلوب من المساوئ و العيوب، لما فيها من الخضوع و الانكسار، و الذل و الافتقار، و التذلل و الاضطرار؛ فإذا خضع القلب لهيبة الجلال طهر من سائر العلل، لأن طلب العلو و الرفعة هو أصل العلل و عنصرها، و من شأن النفس و طبيعتها طلب العلو و الاستكبار و التعزز و الافتخار، لأنها جاءت من عالم العز فلا ترضى إلا بالعز، و إلى هذا أشار شيخ شيوخنا المجذوب بقوله:
|
من أين جئتي يا ذي الرّو |
ح الهائما روحانيّا |
|
|
مقامها بساط الع |
زّ أحوالها ربّانيّا |
|
فلما ركبت في هذا القالب الجسماني ردتها القهرية إلى العبودية، و جعلتها لها بابا للوصول إلى حضرة الربوبية، فلا يطمع لها في الرجوع إلى أصلها إلا بانكسارها و ذلها، و لذلك قال الشيخ عبد القادر الجيلاني رضي اللّه تعالى عنه: أتيت الأبواب كلها فوجدت عليها ازدحاما فأتيت باب الذل و الانكسار فوجدته خاليا، فدخلت منه و قلت: هلمّوا إلى ربكم، هكذا سمعته من أشياخنا، فإذا انكسرت و ذلت رجعت لأصلها و وصلت، و إذا تعززت و استكبرت حجبت و طردت، و إذا طردت بعدت، و كلما بعدت عن الحضرة