ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٢٦ - ٢١٢ - لا يزيد في عزه إقبال من أقبل عليه، و لا ينقص من قدره إدبار من أدبر عنه
٢١٢- لا يزيد في عزّه إقبال من أقبل عليه، و لا ينقص من قدره إدبار من أدبر عنه.
قلت: الحق سبحانه غني عن كل شيء مفتقر إليه كل شيء، لا تنفعه طاعة الطائعين، و لا تضره معصية العاصين، و سيأتي في المناجاة: إلهي تقدس رضاك أن تكون له علة منك، فكيف تكون له علة مني؟ أنت الغني بذاتك أن يصل إليك النفع منك، فكيف لا تكون غنيّا عني؟ انتهى. فلا تنفعه أيها العبد طاعتك فيكون محتاجا إليها، تعالى اللّه عن ذلك، و لا تضره معصيتك، فيكون مقهورا بها: وَ هُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ [الأنعام: ١٨]، فإنما أمرك بالطاعة ليقربك إليه: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف: ٥٦]، و إنما نهاك عن المعاصي لما جعل فيها من علامة البعد عن حضرته، فما أمرك اللّه بشيء إلا و فيه تقريب و آداب للحضرة، و ما نهى اللّه عن شيء إلا و فيه ضرر و إبعاد عن الحضرة، لما فيه من سوء الأدب، و التحقيق أنه: لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ [الأنبياء: ٢٣]، لا يزيد في عزه إقبال من أقبل عليه، لأن عزته أزلية قديمة، و لا ينقص من ملكه إدبار من أدبر عنه، لأنه غني عن العالمين. و في الحديث القدسي: «لو أنّ أوّلكم و آخركم و إنسكم و جنّكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد ما زاد ذلك في ملكي شيئا، و لو أن أولكم و آخركم و إنسكم و جنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئا[١]»، الحديث أخرجه مسلم في صحيحه، و من أسمائه تعالى القدوس. قال بعضهم: معناه أنه منزّه عن كل كمال لا يليق بذاته، و لا يقال: إنه منزه عن النقائص، إذ لا تصح نسبتها إليه حتى ينزه عنها، إذ لا ينفى عن الشيء إلا ما يصح إثباته له، فإن نفيت ما لا يصح إثباته فربما يكون نقصا، كما يقال: السلطان ليس بجزار، و من أجاز ذلك فإنما مراده التعميم و كما التقديس و التنزيه. قال بعضهم: لو أراد الخلق تنزيه الخالق إلا بلسان العجز ما استطاعوا، و لذلك قال صلى اللّه عليه و آله و سلم: «لا أحصي ثناء عليك أنت كما
[١] - تقدم تخريجه.