ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٥٠٥ - ٢٦٩ - و من علم أن الأمر كله بيده انجمع بالتوكل عليه
روي أن بعض المريدين قام ليلا لعبادته فلم يجد قلبه، فقال: إذا أصبحت شكوت هذه الوسوسة للشيخ، فوقف الشيطان على الشيخ و قال: إن فلانا يريد أن يشكوني و أنا ما ظلمته، إن الدنيا بستاني و أنا أحرسها، فمن أخذ مني شيئا لا أتركه حتى يترك ما أخذ، فلما أصبح جاء الشيخ فقال له الشيخ: جاء إبليس يشتكي منك، ما الذي أخذت له؟ فقال: يا سيدي خلق ثوبي فطلبت إبرة لأرقعه، فقال له: أخرجها له، و قل لنفسك: الموت أقرب من ذلك، فطرحها فوجد قلبه، و أنشدوا:
|
لا تحقرنّ ضعيفا عند رؤيته |
إنّ البعوضة تدمي مقلة الأسد |
|
|
و للشرارة حقر حين تنظرها |
و ربما أضرمت نارا على بلد |
|
ثم هذا الذي تشتغل به و تسارع إليه هو أيضا يطلبك و يسارع إليك، و إن تقربت إليه شبرا تقرب إليك ذراعا، كما أبان ذلك بقوله:
٢٦٨- و من أيقن أنّ اللّه يطلبه صدّق الطلب إليه.
قلت: اليقين هو سكون القلب و طمأنينته بحيث لم يبق فيه اضطراب و لا ريب في جميع الأمور، و طلب اللّه لعبده من وجوه: منها أنه يطلبه بالقيام بحقوق العبودية و وظائف الربوبية، و منها أنه يطلبه بالتوجه إليه و الفرار مما سواه، و يطلبه بالعكوف في حضرته على بساط الأدب و المحبة، فمن أيقن أن اللّه يطلبه بهذه الوجوه صدق الطلب إليه، و صدق الطلب هو إفراد القلب و القالب لجهة المطلوب بحيث لم يبق له التفات لغيره، فلم يثق إلا به و لا يعتمد إلا عليه، كما أشار إلى ذلك بقوله:
٢٦٩- و من علم أنّ الأمر كلّه بيده انجمع بالتّوكّل عليه.
قلت: قال تعالى: وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَ تَوَكَّلْ عَلَيْهِ [هود: ١٢٣]، و قال:
قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ [آل عمران: ١٥٤]، فمن علم أن الأمور كلها بيد اللّه أمر الدنيا و أمر الآخرة، و النفوس و القلوب، لم يبق له نظر إلى سواه، و انجمع بكليته عليه، قال تعالى: وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق: ٣]، أي كافيه، و من كان اللّه كافيه