ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٨٩ - ١٨ - إحالتك الأعمال على وجود الفراغ من رعونات النفوس
و التّأهّب ليوم النّشور[١]»، و قال صلى اللّه عليه و آله و سلم: «الكيّس من دان نفسه و عمل لما بعد الموت، و الأحمق من أتبع نفسه هواها و تمنّى على اللّه الأمانيّ[٢]» انتهى. و الكيس هو العاقل، و دان نفسه: حاسبها، و في صحف إبراهيم ٧: و على العاقل ما لم يكن مغلوبا على عقله أن تكون له ساعات:
ساعة يناجي فيها ربه عزّ و جل، و ساعة يحاسب فيها نفسه، و ساعة يتفكر فيها في صنع اللّه عزّ و جل، و ساعة يخلو فيها بحاجته من المطعم و المشرب، و على العاقل أن لا يكون ظاعنا إلا لثلاث: تزوّد لمعاد أو مرمة لمعاش أو لذة من غير محرم، و على العاقل أن يكون بصيرا بزمانه، مقبلا على شأنه، حافظا للسانه، و من حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه انتهى. فإحالتك الأعمال و تأخيرها إلى وقت آخر تكون فيه فارغ القلب أو القالب من علامة الرعونة و الحمق، و هو غرور، و من أين لك أن تصل إلى ذلك الوقت و الموت هاجم عليك من حيث لا تشعر؟ و على تقدير و صولك إليه لا تأمن من شغل آخر يعرض لك، و فراغ الأشغال من حيث هو نادر لقوله ٧: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس:
الصحة و الفراغ[٣]»، أي كثير من الناس فقدوهما و غبنوا فيهما، إذ كثير منهم لا تجده إلا مشغولا بدنيا، أو مفتونا بهوى، أو مريضا مبتلى. و مفهوم الكثير: أن القليل من الناس رزقهم اللّه الصحة و الفراغ، فإن عمروهما بطاعة مولاهم فقد شكروا و ربحوا ربحا عظيما، و إن ضيعوهما فقد خسروا خسرانا مبينا و كفروا بهاتين النعمتين، فجدير أن تسلبا عنهم، و هو أيضا من علامة الخذلان، و سيأتي من كلام الشيخ: الخذلان كل الخذلان أن تقل عوائقك، ثم لا تقبل عليه، فالواجب على الإنسان أن يقطع علائقه و عوائقه، و يخالف هواه و يبادر إلى
[١] - لم أقف عليه.
[٢] - رواه الترمذي( ٤/ ٦٦٨)، و ابن ماجه( ٢/ ١٤٢٣)، و أحمد( ٤/ ١٢٤).
[٣] - رواه البخاري( ٥/ ٢٣٥٧).