ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٢٢٣ - ٨٧ - الطي الحقيقي أن تطوي مسافة الدنيا عنك، حتى ترى الآخرة أقرب إليك منك
مصر، فلما فرغ فإذا ثيابه الأولى، فسلك طريقا فإذا هو ببغداد قبل صلاة الجمعة من ذلك اليوم الذي خرج فيه، و الحكاية مطولة للفرغاني في «شرح التائية». و أما طي المكان: فمثاله أن يكون بمكة مثلا، فإذا هو بغيرها من البلدان و هذا مشهور لأولياء اللّه. قال الشيخ أبو العباس رضي اللّه تعالى عنه: و اللّه ما صار الأولياء من قاف إلى قاف حتى يلقوا رجلا مثلنا، فإذا لا قوه كان بغيتهم.
و أما طي الدنيا: فهو أن تطوي عنك مسافتها بالزهد فيها، و الغيبة عنها و حصول اليقين التام في قلبك حتى يكون الآتي عندك واقعا أو كالواقع، و سيأتي للشيخ: لو أشرق نور اليقين في قلبك لرأيت الآخرة أقرب من أن ترحل إليها، و لرأيت الدنيا و كسفة الفناء ظاهرة عليها، و سيأتي تتمة الكلام على هذه الحكمة ثمّ إن شاء اللّه. و أما طي النفوس: فهو بالغيبة في اللّه عنها، و بذلك يتحقق الزوال و تمام الوصال. و قد ذكره الشيخ بقوله فيما يأتي: ليس الشأن أن تطوى لك الأرض، فإذا أنت بمكة، أو غيرها من البلدان، إنما الشأن أن تطوى عنك أوصاف نفسك، فإذا أنت عند ربك انتهى. و هذا هو الطي الحقيقي المعتبر عند المحققين، لا طي الزمان أو المكان، إذ قد يكون استدراجا أو مكرا أو تخيلا و سحرا، فالطي الحقيقي هو أن تطوى عنك مسافة الدنيا كلها حتى يكون الموت أقرب إليك من نفسك التي بين جنبيك، و كما قال الصديق رضي اللّه تعالى عنه:
|
كلّ امرئ مصبّح في أهله |
و الموت أدنى من شراك نعله |
|
و حتى ترحل عنها بالكلية فلا تبقى فيك منها بقية، هنالك ترحل إلى عالم الملكوت و تكشف لك أسرار الجبروت. و قد قيل: في قوله ٧: «الدّنيا خطوة مؤمن[١]» بمعنى أنه يتخطاها بالزهد فيها، و قال بعضهم: لا تتعجبوا ممن يدخل يده في جيبه فيخرج ما يريد، و لكن تعجبوا ممن يضع يده في جيبه و لم يجد شيئا،
[١] - لم أقف عليه.