ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٢٢١ - ٨٦ - إن أردت أن يكون لك عز لا يفنى فلا تستعزن بعز يفنى
إن هارون أراد أن يذل عبدا أعزه اللّه فلم يقدر انتهى.
و أما التعزز بالعز الذي يفنى فهو التعزز بالمخلوق، كتعزز ملوك الجور، و من انتسب إليهم بكثرة الأتباع و الأجناد و بالعصي و القهر، و كالتعزز بالأموال و الجاه في غير محله و الرياسة، و غير ذلك مما ينقطع و يبيد، فمن تعزز بهذا مات عزه و اتصل ذله، فإن التعزز بالمخلوق قطعا يعقبه الذل عاجلا و آجلا. و انظر قضية الرجل الذي تكبر في الحرم، فصار بعد ذلك يتكفف الناس، و قال:
إني تكبرت في موضع يتواضع فيه الناس، فوضعني في موضع ترتفع فيه الناس، ذكر القضيتين في التنبيه[١]، و يقال: لمن تعزز بالمخلوق: انْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً [طه: ٩٧]، و دخل عارف على رجل يبكي، فقال له: و ما يبكيك؟ فقال له: مات أستاذي، فقال له: و لم جعلت أستاذك من يموت[٢]؟ فنبهه على رفع همته، و إنفاذ بصيرته، و قد مات شيخه قبل أن يرشد، و اللّه تعالى أعلم. فإن أردت أيها المريد أن يكون لك عز لا يفنى فاستعذ باللّه و بطاعة اللّه و بالقرب من أولياء اللّه، و لا تستعزن بعز مخلوق يفنى، فإن من تعزز بمن يموت مات عزه، قال اللّه تعالى: أَ يَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً [النساء: ١٣٩]. و قال أبو العباس المرسي رضي اللّه تعالى عنه: و اللّه ما رأيت العز إلا في رفع الهمة عن الخلق. تنبيه و إرشاد:
اعلم أن سبب العز الذي يعطيه اللّه لأوليائه هو حبه لهم، فالعز نتيجة الحب، ففي الصحيح عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم أنه قال: «إذا أحبّ اللّه عبدا نادى جبريل: إنّ اللّه يحبّ فلانا فأحبّه، فيحبّه جبريل، ثمّ ينادي جبريل في السموات: إنّ اللّه يحبّ فلانا فأحبّوه، فيحبّه أهل السماء ثم يوضع له القبول في
[١] - لعله تنبيه" المغترين في القرن العاشر لما خالفوا فيه سلفهم الطاهر" للإمام الشعراني.
[٢] - كلام سيدي محيي الدين عن السر الذي وقر في قلب سيدنا أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه.