ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٥٨٨ - ٣٦٦ - إلهي حققني بحقائق أهل القرب، و اسلك بي مسالك أهل الجذب
بالمجاهدة و المكابدة، و هو مقام أهل السلوك من المحبين، و يكون جذبا و عناية، و هو مقام أهل الجذب من المحبوبين، و قد يكون أولا مجاهدة و آخرا جذبا و عناية، و هو أعظم قدرا و أعم نفعا و أنفع تربية، و هو الذي أراد الشيخ رضي اللّه تعالى عنه، لأنه طلب أولا التحقيق بحقائق أهل القرب و هم أهل التقرب حتى أحبهم اللّه، ثم طلب ثانيا سلوك أهل الجذب، و هم المحبوبون الذين اجتباهم اللّه و اختطف أرواحهم من شهود الأغيار إلى شهود الأنوار قال تعالى: اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ [الشورى: ١٣]، و هم المحبوبون وَ يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ [الرعد: ٢٧] و هم المحبون، فأراد الشيخ أن يكون جامعا بين سلوك و جذب و هو أعظم من غيره. و قال بعضهم: أهل القرب هم أهل الحضرة المستغرقون في الشهود، لأن اللّه تعالى ليس في حقه قرب و لا بعد، و إنما ذلك في حق العبد، فمن رفع الحجاب عن عين قلبه و فاضت عليه أنوار قربه، رمته المراقبة للمشاهدة، و المشاهدة للمكاشفة، و المكاشفة للمعاينة، و المعاينة للمسامرة و المحادثة و المكالمة، و صار الحق أبدا جليسه و أنيسه، فهذا هو التقريب للعبد بعد البعد و خرق جميع الحجب، و هذا المقام هو الذي طلب الشيخ أبو الحسن بقوله:
و اقرب منى بقدرتك قربا تمحق به عني كل حجاب محقته عن إبراهيم خليلك إلخ. و قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي اللّه تعالى عنه: أهل المحبة و الشوق على قسمين: قوم اشتاقت نفوسهم على الغيبة، فلا سكون لهم إلا باللقاء.
و قوم اشتاقت أرواحهم على الحضور و المعاينة و الشهود، فلا سكون لهم إلا بالغوص في بحر الأسرار و تنزل المعاني على قلوبهم. و قال أبو يزيد رضي اللّه تعالى عنه: للّه رجال لو حجبهم في الجنة عن رؤيته لاستغاثوا من الجنة كما يستغيث أهل النار من النار، لكنهم على الأرائك ينظرون. و قال سمنون: ذهب المحبون للّه بشرف الدنيا و الآخرة، لأنهم معه أبدا، و النبي صلى اللّه عليه و آله