ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٠٨ - خير من تصحب من يطلبك لا لشيء يعود منك إليه
«استحيوا من اللّه حقّ الحياء، قالوا: إنا نستحيي و الحمد للّه، قال لهم: الحياء من اللّه حقّ الحياء، أن تحفظ الرأس و ما حوى، و البطن و ما وعى، و تذكّر القبر و البلى، فمن فعل ذلك فقد استحيا من اللّه حقّ الحياء[١]» انتهى. فالصاحب الذي يدوم لك هو الذي يصحبك و هو عالم بعيبك، لأن ذلك داع للسلامة من التكلف و الرياء و التصنع، و ليس ذلك إلا مولاك العالم بخفاياك، المطلع على سرك و علانيتك، إن عصيته سترك، و إن اعتذرت إليه قبل عذرك. و قد قيل: من الحكمة في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ [التوبة: ١١١]، مع أن الكل ملكه ثلاثة أشياء: أحدها: البشارة بعدم الرد بالعيب، لأن المشتري عالم به. الثاني: ليسلم العبد نفسه إليه فيتولى تدبيره، إذ لا يتم بيع إلا بالتسليم، و لا كفالة إلا بعد إقباض. الثالث: إظهارا لتمام الفضل في ظهور النسبة للّه سبحانه. و ذكر الصحبة في جانب الحق وقعت في حديث:
«أنت الصاحب في السّفر[٢]». و اختلف في إطلاقه في غير ذلك المحل، و الظاهر أن الشيخ يرى ذلك في محل إشارة الأدب و الانحياش، و عليه مر أبو حامد الغزالي في بعض كتبه، قاله الشيخ زروق رضي اللّه تعالى عنه. و اعلم أن الأمر الذي يرغب في الصحبة و يعقد المحبة و المودة أمران: أحدهما: ما تقدم من كون الصاحب يغطي شينك بحمله و يستر وصفك بوصفه. و الثاني: كونه يحبك و يطلبك إلى حضرته من غير غرض و لا منفعة له في صحبتك، و إلى الثاني أشار بقوله:
[خير من تصحب من يطلبك لا لشيء يعود منك إليه].
قلت: و لا يوجد هذا الوصف المجيد إلا للغني الحميد، الفعال لما يريد، يحب من يشاء بلا علة و لا سبب، و يمقت من يشاء بلا ضرر يلحقه و لا تعب، يقرب من
[١] - رواه الترمذي( ٤/ ٦٣٧)، و النسائي( ٥/ ٣٢٢)، و البيهقي في الشعب( ٦/ ١٤٢)، و أبو نعيم في الحلية( ٤/ ٢٠٩).
[٢] - رواه مسلم( ٢/ ٩٧٨)، و الترمذي( ٥/ ٤٩٧)، و النسائي في الكبرى( ٤/ ٤٦٠)، و أحمد( ٢/ ٤٣٣).