ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ١٣٥ - ٤٦ - حسن الأعمال نتائج حسن الأحوال و حسن الأحوال من التحقق في مقامات الإنزال
رضي اللّه تعالى عنه: ركعتان من زاهد عالم خير و أحبّ عند اللّه من عبادة المتعبدين المجتهدين إلى آخر الدهر أبدا سرمدا. و قال بعض السلف: لم يفتكم أصحاب محمد صلى اللّه عليه و آله و سلم بكثرة صلاة و لا صيام، إلا أنهم كانوا أزهد في الدنيا انتهى. و في بعض الأخبار أن سيدنا عيسى ٧ مرّ برجل نائم و الناس يتعبدون، فقال له عيسي ٧: قم فتعبد مع الناس فقال: تعبدت يا روح اللّه فقال له: و ما عبادتك؟ قال: تركت الدنيا لأهلها، فقال له: نم، نعمت العبادة هذه أو كما قال ٧. و قال رجل للشيخ أبي الحسن رضي اللّه تعالى عنه: مالي أرى الناس يعظمونك، و لم أر لك كبير عمل؟ فقال: بسنّة واحدة افترضها اللّه على رسوله، تمسكت بها، فقال له: و ما هي؟ قال: الإعراض عنكم و عن دنياكم انتهى. قال الشيخ زروق رضي اللّه تعالى عنه: و إنما كانت للزهد هذه الفضيلة لثلاثة أوجه: أحدها: ما فيه من فراغ القلب عن الشواغل و الشواغب. الثاني: لأنه شاهد بوجود الصدق في المحبة إذ الدنيا محبوبة لا تترك إلا بما هو أحب، قال ٧: «الصدقة برهان[١]»، قيل: على حب العبد ربه.
الثالث: لأنه دليل على المعرفة باللّه و الثقة به، لأن بذل الموجود من الثقة بالمعبود، و منع الموجود من سوء الظن بالمعبود انتهى. و لما كان حسن العمل الظاهر و إتقانه الذي يكون به كماله و نقصانه، إنما هو نتائج حسن الباطن و أحواله أشار إلى ذلك بقوله:
٤٦- حسن الأعمال نتائج حسن الأحوال و حسن الأحوال من التّحقّق في مقامات الإنزال.
قلت: الأعمال: حركة الجسم بالمجاهدة، و الأحوال: حركة القلب بالمكابدة و المقامات: سكون القلب بالطمأنينة. مثال ذلك: مقام الزهد مثلا فإنه يكون
[١] - ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد( ١٠/ ٢٣٦)، و عزاه للطبراني في الكبير و قال: إسناده جيد.