ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ١٣٤ - ٤٥ - ما قل عمل برز من قلب زاهد، و لا كثر عمل برز من قلب راغب
قوله عليه الصلاة و السلام: «عمل قليل في سنّة خير من عمل كثير في بدعة[١]»، و أي بدعة أعظم و أشنع من حب الدنيا و الانكباب عليها بالقلب و القالب الذي لم يكن في زمنه صلى اللّه عليه و آله و سلم، و لا في زمن الصحابة حتى ظهرت الفراعنة فبنوا و شيدوا و زخرفوا، فهذه هي البدعة الحقيقية فعمل هؤلاء قليل في المعنى، و إن كان كثيرا في الحس إذ لا عبرة بحركة الأشباح، و إنما العبرة بخضوع الأرواح، عبادة الزاهد باللّه للّه، و عبادة الراغب بالنفس للنفس، عبادة الزاهد حية باقية، و عبادة الراغب ميتة فانية، عبادة الزاهد متصلة على الدوام، و عبادة الراغب منقطعة بلا تمام، عبادة الزاهد في مساجد الحضرة التي أذن اللّه أن ترفع و عبادة الراغب في مزابل القذارات التي أذن اللّه أن توضع، و لذلك قال بعضهم: عبادة الغني كالمصلي على المزبلة، و ما مثل عبادة الزاهد مع قلتها في الحس و كثرتها في المعنى، و عبادة الراغب مع كثرتها في الحس و قلتها في المعنى إلا كرجلين أهديا للملك أحدهما: أهدى ياقوتة صافية صغيرة قيمتها ستون قنطارا، و الآخر: أهدى ستين صندوقا خاوية فارغة، فلا شك أن الملك يقبل الياقوتة و يكرم صاحبها، و يرد الصناديق و يهين صاحبها و يغضب عليه، لكونه استهزأ بالملك حيث أهدى له خشبا خاوية، شهرتها أعظم من منفعتها. و سمعت شيخنا رضي اللّه تعالى عنه يقول: الراغب في الدنيا غافل، و لو كان يقول: اللّه اللّه بلسانه على الدوام، إذ لا عبرة باللسان و الزاهد في الدنيا ذاكر على الدام، و لو قلّ ذكره باللسان انتهى. قلت: و بهذا فسّر بعضهم قوله تعالى: لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء: ١٤٢] أي مع الغفلة و الرغبة، و لو كثر في الحس انتهى.
و قال سيدنا علي كرم اللّه وجهه: كونوا لقبول العمل أشدّ منكم اهتماما للعمل، فإنه لم يقلّ عمل مع التقوى، و كيف يقلّ عمل يتقبل انتهى. و قال ابن مسعود
[١] - رواه معمر في جامعه( ١/ ٢٩١)، و ابن وضاح في البدع( ص ٢٢)، و أبو نعيم في الحلية( ٣/ ٧٦).