ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٨٢ - ٢٤٥ - جعلك في العالم المتوسط بين ملكه و ملكوته، ليعلمك جلالة قدرك بين مخلوقاته، و أنك جوهرة تطوى عليها أصداف مكوناته
متوسط: أي مركب من ملك و ملكوت، فلو قال: جعلك عالما متوسطا بين ملكه و ملكوته لأفهم المراد بسهولة: أي لست ملكا فقط و لا ملكوتا فقط، بل جعلك متوسطا بينهما: أي مركبا منهما كقوله صلى اللّه عليه و آله و سلم: «كنت نبيّا و آدم بين الماء و الطين[١]» أي:
مركبا منهما دون روح، و لكن عبارة الشيخ فيها إلغاز و تدقيق إشارة، و علمنا كله إشارة، و إنما جعلك بين ملك و ملكوت، ليعلمك جلالة قدرك و فخامة أمرك قال تعالى: وَ لَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ [الاسراء: ٧٠]، و قال: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين: ٤]، و ليعلمك أيضا أنك جوهرة نفيسة مصونة في صدف نفيس، و هو الكون بأسره، فتطوى عليك أصداف مكوناته من عرشه إلى فرشه، فأنت أيها الإنسان كالياقوتة في صدف، الأرض تقلك، و السماء تظلك، و الجهات تكتنفك، و الحيوانات تخدمك و تنفعك، و الجمادات تدفع عنك، و أنت في وسط الجميع، فالأفلاك دائرة بك، و الشمس و القمر منيران لما أنت فيه، فأنت جوهرة الصدف، و لباب الكون و مداره عليك. قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي اللّه تعالى عنه:
الأكوان كلها عبيد مسخرة و أنت عبد الحضرة. و قد ورد في بعض الكتب: يا ابن آدم أنا بدّك اللازم فألزم بدك. و في بعض الآثار المروية عن اللّه عز و جلّ: «يا ابن آدم خلقت الأشياء من أجلك، و خلقتك من أجلي، فلا تشتغل بما هو لك عمن أنت له[٢]». و قد قالوا في عجائب الإنسان:
إن الوجود كله منطو فيه، فهو نسخة من العالم الأكبر.
و مما ينسب لأبي العباس المرسي رضي اللّه تعالى عنه:
|
يا تائها في مهمه عن سرّه |
انظر تجد فيك الوجود بأسره |
|
[١] - أورده العجلوني في الكشف( ٢/ ١٧٣)، و نقل قول الحفاظ: إنه لا أصل له بهذا اللفظ، قلت: و لكنه جاء بلفظ آخر و من طرق متعددة، منها حديث ميسرة الفجر و فيه:
( بين الروح و الجسد)، رواه الحاكم( ٢/ ٦٠٨)، و قال الزبيدي في شرح الإحياء( ١/ ٤٥٣): أي لم يكن بعد روحا و لا جسدا، و جاء بلفظ:( و إن آدم لمنجدل في طينته)، عند الحاكم( ٢/ ٦٠٩)، و معناه: أي ملقى على الأرض. و بالجملة: فالحديث و إن لم يثبت نقلا باتفاق إلا أنه ثابت كشفا عند أهله باتفاق، و هو المراد معرفته.
[٢] - لم أقف عليه.