ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٥٧٠ - ٣٥٦ - إلهي حكمك النافذ و مشيئتك القاهرة، لم يتركا لذي حال حالا و لا لذي مقال مقالا
و هو عين المقال في الحال؟ ذرة جلة جالت على معناها فلم تبلغ منتهاها فو اللّه ما بلغ العبد شفعية معناه فأنى له بوترية معناه، جوهرة رامت فلاحت، و أو مضت فغمضت، و سكنت فتمكنت، فبرزت من قعر بحر الغيب فغار منها القدر، فأجناها في سواد عينها، خيفة أن تنال أو تسم أو تعرف، فلا كيف لها و لا أين و لا رحم و لا عين و لا وصل و لا بين، و معنى قوله: عين المقال في الحال يعني: أن أمر العبد بين الكاف و النون، فهو عين قول: (كن) في أسرع حال، فالمراد بالمقال هو قول: (كن)، فيكون تصريف ذلك الأمر في الحال، و قوله: ذرة جلة إلخ: الذرة النملة الصغيرة، و جلة عظيمة أي: ذرة صغيرة في الحس عظيمة في المعنى، جالت بفكرها في إدراك معناها فلم تبلغ منتهاها كناية عن عجائب صنعة الباري في أصغر شيء، فكيف بالإنسان؟ و لذلك قال: فو اللّه ما بلغ العبد شفعية معناه، و شفعية معنى العبد هي بشريته الظاهرة، لأنها محل العبودية التي هي شفع باعتبار الربوبية، و وترية معناه،: هي روحانيته لأنها واحدة و قوله: جوهرة رامت: المراد بالجوهرة هي الروح رامت: أي قصدت الظهور، فلاحت: أي ظهرت في هذا القالب البشري، و أو مضت: أي أشرقت أنوارها على ذلك القالب، فغمضت: أي استترت و انحجبت فلم يعلمها إلا من أوجدها و نفخها، و سكنت في قفصها فتمكنت فيه، و قوله: فبرزت من قعر بحر الغيب: يشير إلى أصل بروزها من بحر الجبروت، فلما برزت إلى عالم التكوين عالمة بأسرار الغيب، و هي أسرار الملك غار منها القدر، و خاف عليها أن تفشي أسرار الملك فأجناها:
أي أجنى عليها في سواد عينها فحجبها عن تلك الأسرار خيفة أن تنال تلك الأسرار، أو تظهر أو تعرف، فلا كيف للروح و لا مكان و لا رحم لها، بل هي درة يتيمة و لا عين لها تعرف، و لا وصل لها بشيء، و لا قطع لها عن شيء، جل ربنا أن يتصل به شيء أو يتصل هو بشيء، و اللّه أعلم و أنشدوا: