ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٥٧٢ - ٣٥٧ - إلهي كم من طاعة بنيتها، و حالة شيدتها هدم اعتمادي عليها عدلك، بل أقالني منها فضلك
تقدم قوله لا كبيرة إذا قابلك فضله، و لا صغيرة إذا واجهك عدله، فمن قابله بفضله عادت كبائره صغائر، و من واجهه بعدله رجعت صغائره كبائر، و لذلك قال هنا: كم من طاعة بنيتها أي: نميتها و كثرتها هدم اعتمادي عليها عدلك! أي: نظرى إلى عدلك، فلما نظرت إلى عدلك تلاشت أعمالي، و اضمحلت أحوالي و كم من حالة شيدتها و رفعتها، فلما نظرت إلى عدلك و شدة مناقشتك انهدمت و تلاشت، بل أقالني منها بأن زالت نسبتها عني فضلك و هدايتك و توفيقك، فلم تبق لي طاعة و لا حال، و رجع ذلك إلى الفاعل المختار الكبير المتعال. فالواجب على العبد أن ينسلخ من علمه و عمله و حاله و نفسه و روحه و حوله و قوته، و يبقى فقيرا بين يدي سيده. عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ [النحل: ٧٥]. قال بعضهم: و اللّه ما غاص في بحر الفناء إلا من باع نفسه من اللّه، إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [التوبة: ١١١] كيف يخوض في بحر الحقائق من لم يخلص علمه و عمله من الزيف؟! و صيارفة الحق بالمحك المحمدي على الساحل يردون من لا يخلص و أين الإخلاص؟ هذا لمن وصل إلى ساحل ذلك البحر، فكيف بمن ينكره و لا يصدق به أو يسير إليه منحرفا دون استقامة؟ كما قيل:
|
ليس من بات قريرا عينه |
مثل من أصبح قفرا دارسا |
|
|
ليس من أكرم بالوصل كمن |
ظل يهذى بلعل و عسى |
|
|
ليس من ألبس أثواب التقى |
مثل من ألبس ثوبا دنسا |
|
|
ليس من سير به مثل الذي |
بات يرعى بالحمى مبتئسا |
|
|
ليس من شاهد صبحا واضحا |
مثل من شاهد ليلا غلسا |
|
|
ليس من بوئ روضات الحمى |
مثل من أسكن قفرا بائسا |
|
|
ليس من أشبه غصنا يانعا |
مثل من أشبه عودا يابسا |
|
ثم إن عدم الاعتماد على العمل لا يقتضي ترك العمل، بل يجب على العبد أن