ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٥ - ٣ - سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار
لأبرّهم في قسمهم[١]». قال شيخنا: و للّه رجال إذا اهتموا بالشيء كان بإذن اللّه و قال أيضا صلى اللّه عليه و آله و سلم: «اتّقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور اللّه[٢]»، خشي الشيخ أن يتوهم أحد أن الهمة تخرق سور القدر و تفعل ما لم يجر به القضاء و القدر فرفع ذلك بقوله:
٣- سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار.
قلت: السوابق جمع سابقة و هي المتقدمة، و الهمم جمع همة و الهمة قوة انبعاث القلب في طلب الشيء و الاهتمام به، فإن كان ذلك الأمر رفيعا كمعرفة اللّه و طلب رضاه سميت همة عالية و إن كان أمرا خسيسا كطلب الدنيا و حظوظها سمّيت همة دنيّة و سوابق الهمم من إضافة الموصوف إلى الصفة أي الهمم السوابق لا تخرق أسوار الأقدار أي إذا اهتم العارف أو المريد بشيء و قويت همته بذلك فإن اللّه تعالى يكون ذلك بقدرته في ساعة واحدة حتى يكون أمره بأمر اللّه. و كان شيخ شيخنا مولاي العربي رضي اللّه تعالى عنه يقول: المريد الصادق إذا كان فانيا في الاسم مهما اهتم بالشيء كان، و إن كان فانيا في الذات تكوّن الشيء الذي يحتاجه قبل أن يهتم به، أو كلام هذا معناه و هو صحيح. و في بعض الأخبار يقول اللّه تعالى: «عبدي أنا اللّه الذي يقول للشيء كن فيكون، فأطعني أجعلك تقول للشيء كن فيكون»، و في الحديث الصحيح أيضا: «فإذا أحببته كنت له سمعا و بصرا ويدا و مؤيدا إن سألني أعطيته[٣]» الحدي و مع ذلك لا ينفصل بذلك و لا يتكوّن إلا ما أحاط به قدر اللّه و قضاؤه؛ فهمة العارف تتوجه للشيء فإن وجدت القضاء سبق به كان ذلك بإذن اللّه،
[١] - رواه ابن أبي الدنيا في الأولياء( ص ٢٢)، و الديلمي في الفردوس( ٥/ ٤٠٩).
[٢] - رواه الترمذي( ٥/ ٢٩٨)، و الطبراني في الكبير( ٢/ ١٠٢)، و في الأوسط( ٣/ ٣١٢)، و البيهقي في الزهد الكبير( ٢/ ١٦٠).
[٣] - رواه ابن أبي الدنيا في الأولياء( ص ٩)، و أبو نعيم في الحلية( ٨/ ٣١٩).