ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٩٨ - ٢٥٩ - رب عمر اتسعت آماده و قلت أمداده، و رب عمر قليلة آماده كثيرة أمداده
أي من كان يمشي مسدود العينين و أضحى: أي صار فاتحا لعينيه لا يرجع للعماء، قلت:
يا سيدي الاشتغال بالعلم نفع عام، و هو من أفضل العبادات، و قد قال صلى اللّه عليه و آله و سلم: «لأن يهدي اللّه بك رجلا واحدا خير لك مما طلعت عليه الشمس[١]»، فقال: لما طلع قمر السعادة في أفق الإرادة، و أشرقت شمس الوصول في أرض الأصول:
|
تركت هوى سعدى و ليلى بمعزل |
و صرت إلى علياء أول منزل |
|
|
فنادتني الأكوان من كل جانب |
ألا أيها الساعي رويدك فامهل |
|
|
غزلت لهم غزلا رقيقا فلم أجد |
لغزلي نسّاجا فكسّرت مغزلي |
|
فانظر من أطلعه اللّه على بركة عمره، و أراه ثمرة وقته، كيف اختار الآكد فالآكد و الأولى فالأولى، ليدرك ما تلمحه من الفوائد، و يحظى بالخصائص و الزوائد انتهى. قال الشطيبي رحمه اللّه: قال أحمد بن أبي الحواري لأبي سليمان الداراني رضي اللّه عنهما: قد غبطت بني إسرائيل، قال: بأي شيء؟ قلت: بثمانمائة عام حتى يصيروا كالشنان البالية و كالحنايا و الأوتار، فقال: ما ظننت إلا و قد جئت بشيء، و اللّه ما يريد اللّه منا أن تيبس جلودنا على عظامنا، و ما يريد منا إلا صدق النية فيما عنده، هذا إذا صدق في عشرة أيام نال ما ناله الآخر في أعماره الطويلة انتهى. و قال في القوت: فإن البركة في العمر أن تدرك في عمرك القصير بيقظتك ما فات غيرك في عمره الطويل بغفلته، فيرتفع لك في السنة ما يرتفع له في عشرين سنة، و للخصوص من المقربين في مقامات القرب عند التجلي بصفات الرب إلحاق برفع الدرجات، و تدارك لما فات، عند أذكارهم و أعمال قلوبهم اليسيرة في هذه الأوقات، فكل ذرة من ذكر: تسبيح أو تهليل، أو حمد أو تدبر و تبصرة، أو تفكر و تذكرة، لمشاهدة قرب، و وجد برب، و نظرة إلى حبيب، و دنو من قريب أفضل من أمثال الجبال من أعمال الغافلين، الذين هم لنفوسهم واجدون، و للخلق مشاهدون. و مثال العارفين فيما ذكرناه من فنائهم بشهادتهم و رعايتهم لأمانتهم و عهدهم في وقت قربهم و حضورهم، مثل العامل في ليلة القدر، العمل فيها لمن وافقها خير من
[١] - رواه البخاري( ١٣/ ١٠٩٦)،( ٤/ ١٥٤٢).