ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ١٥٨ - ٦٠ - ما بسقت أغصان ذل إلا على بذر طمع
الباب السابع
و بذلك افتتح الباب السابع فقال رضي اللّه تعالى عنه:
٦٠- ما بسقت أغصان ذلّ إلا على بذر طمع
قلت: البسوق: هو الطول قال تعالى: وَ النَّخْلَ باسِقاتٍ [ق: ١٠]، أي طويلات، و البذر: الزريعة، و الطمع: تعلق القلب بما في أيدي الخلق و تشوف القلب إلى غير الرب، و هو أصل شجرة الذل، فما بسقت أغصان شجرة الذل إلا على زريعة الطمع. و لذلك قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي اللّه تعالى عنه: و اللّه ما رأيت العز إلا في رفع الهمة عن الخلق، و إنما كان الطمع هو أصل الذل لأن صاحب الطمع ترك ربّا عزيزا و تعلق بعبد حقير، فاحتقر مثله، ترك ربّا كريما و تعلق بعبد فقير فافتقر مثله، ترك رفع همته إلى الغني الكريم، و أسقط همته إلى الدنئ اللئيم إن اللّه يرزق العبد على قدر همته، و أيضا كان عبدا للّه حرّا مما سواه و صار عبدا للمخلوق و عبدا لنفسه و هواه، لأنك مهما أحببت شيئا، و طمعت فيه إلا كنت عبدا له، و مهما أيست من شيء و رفعت همتك عنه إلا كنت حرّا منه، و في ذلك يقول الشاعر:
|
أبت المطامع أن تهشّمني |
إنّي لمعولها صفا صلد |
|
|
العبد حرّ ما عصى طمعا |
و الحرّ مهما طاعه عبد |
|
قال في التنوير: و كن أيها العبد إبراهيميّا، فقد قال أبوك إبراهيم صلوات اللّه عليه و سلامه: لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ [الأنعام: ٧٥]، و كل ما سوى اللّه آفل، إما وجودا و إما إمكانا، و قد قال سبحانه: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ [الحج: ٧٨]، فواجب على المؤمن أن يتبع ملة إبراهيم، و من ملة إبراهيم رفع الهمة عن الخلق، فإنه يوم زج به في المنجنيق تعرض له جبريل ٧ فقال: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا، و أما إلى اللّه فبلى. قال: فاسأله؟ قال: حسبي من سؤالي علمه بحالي.