ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤١٤ - ٢٠٣ - كما لا يحب العمل المشترك لا يحب القلب المشترك، العمل المشترك لا يقبله، و القلب المشترك لا يقبل عليه
فمن حصن أعماله بالإخلاص استحق القبول و كان من الخواص، و من حصن قلبه من الأغيار امتلأ بالعلوم و الأنوار، و نبعت منه المعارف و الأسرار. و اعلم أن العمل المشترك هو الذي يدخله ثلاث علل: إما رياء، أو عجب، أو طلب عوض. أما الرياء: فهو الشرك الأصغر، و قد تقدم الحديث: «من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته و شريكه»، و في حديث مسلم: «ثلاثة أول من تسعر بهم جهنم يوم القيامة، فذكر القارئ لغير اللّه، و الشجاع الذي يقاتل لغير اللّه، و الغني الذي يتصدق لغير اللّه»، و أما العجب: فهو رؤية النفس و إسناد العمل إليها، و رؤية المزية لها على الناس قال تعالى: فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى [النجم: ٣٢]، قيل معناه: إذا عملت عملا فلا تقل: عملت و لا تظهره عند من يعظمك لأجل علمه بذلك، لأن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم يقول: «ثلاث مهلكات: شحّ مطاع، و هوى متّبع، و إعجاب المرء بنفسه[١]». و قال زيد بن أسلم: معنى لا تزكوا أنفسكم لا تعتقدوا أنها بارة، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم: «لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أكبر من الذنوب: العجب[٢]». قال بعض السلف: لأن أبيت نائما و أصبح نادما أحب إلي من أن أبيت قائما و أصبح معجبا، و قيل لعائشة رضي اللّه عنها: متى يكون الرجل مسيئا؟ قالت: إذا ظن أنه محسن. قيل: و المعجب أعمى عن آفات نفسه و عمله، و العمل إذا لم يتفقد ضاع، و إنما يتفقد عمله من غلب عليه خوف اللّه و خوف ذنوبه، و لا يريد الثناء على نفسه و حمدها و تزكيتها، و ربما أعجب برأيه و عقله، فيستنكف عن سؤال غيره و لا يسمع نصح ناصح لنظره من سواه بنظر الاستحقار، نسأل اللّه السلامة و العافية. و أما طلب العوض و الجزاء فقد تقدم مرارا الزجر عنه، و إنك إن طالبته بالجزاء طالبك بسر الإخلاص، و يكفي المريب وجدان السلامة، فكل عمل فيه بعض هذه الآفات فإن اللّه لا يقبله قبول الخواص. و أما القلب المشترك: فهو الذي
[١] - رواه ابن أبي شيبة في المصنف( ٧/ ٥٠٣)، و الطبراني في الأوسط( ٥/ ٣٢٨)، و البيهقي في الشعب( ١/ ٤٧١) بنحوه.
[٢] - تقدم تخريجه.