ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ١٥٥ - ٥٨ - لا تفرحك الطاعة لأنها برزت منك، و افرح بها لأنها برزت من الله إليك قل بفضل الله و برحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون يونس ٥٨
النعيم، لا يرون لأنفسهم تركا و لا فعلا و لا قوة و لا حولا، يرون أنهم محمولون بالقدرة الأزلية مصروفون عن المشيئة الأصلية و هم من أهل قوله تعالى: وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: ٥]. فأهل القسم الأول: عبادتهم للّه. و أهل القسم الثاني:
عبادتهم باللّه و بقدرة اللّه، و بينهما فرق كبير. و قسم ثالث: فرحهم باللّه دون شيء سواه، فانون عن أنفسهم باقون بربهم، فإن ظهرت منهم طاعة فالمنة للّه، و إن ظهرت منهم معصية اعتذروا للّه أدبا مع اللّه، لا ينقص فرحهم إن ظهرت منهم زلة، و لا يزيد إن ظهرت منهم طاعة أو يقظة؛ لأنهم باللّه و للّه، من أهل لا حول و لا قوة إلا باللّه، و هم العارفون باللّه. فإن ظهرت منك أيها المريد طاعة أو إحسان فلا تفرح بها من حيث إنها برزت منك فتكون مشركا بربك فإن اللّه تعالى غني عنك و عن طاعتك، و غنى عن أن يحتاج إلى من يطيعه سواه، قال اللّه تعالى: وَ مَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ [العنكبوت: ٦]، و قال صلى اللّه عليه و آله و سلم حاكيا عن ربه عز و جلّ: «يا عبادي لو أنّ أوّلكم و آخركم و إنسكم و جنّكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد، ما زاد ذلك في ملكي شيئا[١]» الحديث.
و افرح بها من حيث إنها هدية من اللّه إليك تدل على أنك من مظاهر كرمه و فضله و إحسانه، فالفرح إنما هو بفضل اللّه و برحمته قال تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَ بِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا [يونس: ٥٨]، ففضل اللّه هو هدايته و توفيقه، و رحمته هو اجتباؤه و تقريبه، و قيل: فضل اللّه الإسلام، و رحمته القرآن، و قيل:
فضل اللّه هداية الدين، و رحمته جنة النعيم، و قيل: فضل اللّه توحيد الدليل و البرهان، و رحمته توحيد الشهود و العيان، و قيل غير ذلك، و اللّه تعالى أعلم.
و لما كان الفرح بالطاعة قد يتوهم أنه فرع رؤيتها، و النظر إليها رفع ذلك بقوله:
[١] - رواه مسلم( ٤/ ١٩٩٤)، و الترمذي( ٤/ ٦٥٦)، و أحمد في المسند( ٥/ ١٥٤).