ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٣٥ - ٢١٦ - متى وردت الواردات الإلهية إليك هدمت العوائد عليك إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها النمل ٣٤
الكتاب و السنة، و لا يلزم من عدم العمل بها انتقادها على أهلها، فإن العلم واسع، له ظاهر و باطن، و مسائل الإلهامات تارة ترد على حسب العلم الظاهر، و تارة ترد على حسب العلم الباطن، فإن لم تفهم فسلم و دع ما تعرف لما لا تعرف. و كان الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي اللّه تعالى عنه يقول: من آداب مجالسة الصديقين أن تفارق ما تعلم لتظفر بالسر المكنون انتهى. يعني إن أردت أن تظفر بما عندهم من السر المكنون فأسقط عنهم الميزان في أقوالهم و أفعالهم و أحوالهم، و أما ما دمت تزن عليهم بميزان علمك فلا تشم رائحة من سرهم. و كان شيخ شيوخنا سيدي على رضي اللّه تعالى عنه يقول: طريقتنا لا ينال منها شيئا إلا من يصدق بالمحال. فإن أردت يا أخي أن يهب عليك نسيم أسرارهم و نفحات مواهبهم فدع ما تعرف إلى ما لا تعرف، و اغتسل من علمك و عملك حتى تبقى فقيرا إلى ما عندهم كما فعل شيخ طريقتنا الشاذلي رضي اللّه تعالى عنه. و لقد حدثني من أثق به أن الشيخ أبا الحسن رضي اللّه تعالى عنه طلع إلى الشيخ ابن مشيش رضي اللّه تعالى عنه بالميزان، فلم يشم رائحة الولاية، فرجع ثم طلع ثانيا كذلك، فرجع كما طلع، فلما أسقط الميزان و اغتسل من علمه و عمله و طلع فقيرا أغناه اللّه. قال له الشيخ ابن مشيش: يا أبا الحسن طلعت إلينا فقيرا من علمك و عملك فأخذت منا غنى الدارين انتهى. نفعنا اللّه بذكرهم و نفح علينا ما نفح عليهم، حتى نستغنى بهم غنى لا فقر معه أبدا آمين. ثم إن هذه الواردات التي تتجلى بالحقائق و العلوم إنما هي واردات أهل النهاية، و أما واردات أهل البداية فإنها تأتي قوية قهارية: إما بخوف مزعج، أو شوق مقلق، لترحله عن شهواته و عوائده، و هي التي ذكرها الشيخ بقوله:
٢١٦- متى وردت الواردات الإلهية إليك هدمت العوائد عليك: إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها [النمل: ٣٤].
قلت: الوارد الإلهي هو قوة شوق أو اشتياق أو محبة يخلقها اللّه في قلب العبد، و قد تنشأ عن قوة خوف أو هيبة أو جلال، فتزعجه تلك القوة إلى النهوض إلى مولاه، فيخرج عن عوائده و شهواته و هواه، و يرحل إلى معرفة ربه و رضاه، و قد تترادف عليه أنوار تلك المحبة و الشوق فتغيبه عن حسه بالكلية، و هو الجذب، و إنما جمع الواردات باعتبار تلك المحبة