ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ١١٨ - ٣٦ - شعاع البصيرة يشهدك قربه منك، و عين البصيرة تشهدك عدمك لوجوده، و حق البصيرة يشهدك وجوده، لا عدمك و لا وجودك
فعميت، فأنكرت نور الحق من أصله: قال سيدي البوصيري:
|
قد تنكر العين ضوء الشّمس من رمد |
و ينكر الفم طعم الماء من سقم |
|
و هذه بصيرة الكفار قال تعالى: فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَ لكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج: ٤٦]. و قسم صح ناظرها لكنها مسدودة لضعف ناظرها لمرض أصابه فهي تقر بالنور، لكنها لا تقوى على مشاهدته، و لا تشهد قربه منها، و لا بعده عنها، و هي لعامة المسلمين، و قسم صح ناظرها و قوي شيئا ما حتى قرب أن يفتح عينه لكن لشدة الشعاع لم يطق أن يفتح عينه فأدرك شعاع النور قريبا منه، و هو لعامة المتوجهين، و يسمى هذا المقام شعاع البصيرة، و قسم قوي ناظرها ففتح عين بصيرته، فأدرك النور محيطا به حتى غاب عن نفسه بمشاهدة النور، و هذا لخاصة المتوجهين، و يسمى هذا المقام: عين البصيرة، و قسم صحت بصيرته و اشتد نورها، فاتصل نورها بنور أصلها، فلم تر إلا النور الأصلي، و أنكرت أن يكون ثمّ شيء زائد على نور الأصل، كان اللّه و لا شيء معه و هو الآن على ما عليه كان و يسمى هذا: حق البصيرة. و وجه تسميته بشعاع البصيرة أن صاحبها لما كان يرى وجود الأكوان انطبعت في مرآة بصيرته فحجبته عن شهود النور من أصله لكن لما رقت كثافتها و تنورت دلائلها، رأى شعاع النور من ورائها قريبا منه فأدرك الشعاع و لم يدرك النور، و هذا هو نور الإيمان و هو مقام علم اليقين، و وجه تسمية عين البصيرة أن البصيرة، لما صحت و قويت انفتحت عينها، فرأت النور محيطا و متصلا بها، فسميت عين البصيرة لانفتاحها و إدراكها ما خفي على غيرها، و هذا مقام عين اليقين، و وجه تسمية حق البصيرة أن البصيرة لما أدركت الحق من أصله، و غابت عن نور الفروع بنور الأصول سميت: حق البصيرة لما أدركته من الحق و غابت عن شهود الخلق، و هذا مقام حق اليقين، فشعاع البصيرة هو نور الإيمان لأهل المراقبة، و عين البصيرة هو نور الإحسان لأهل المشاهدة، و حق البصيرة هو نور