ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٧٣ - ١٤ - الكون كله ظلمة، و إنما أناره ظهور الحق فيه
شهود ربه، و لأنه سحاب يغطي شمس المعاني لمن وقف مع ظاهر حس الأواني، و إليه أشار الششتري بقوله: لا تنظر إلى الأواني، و خض بحر المعاني، لعلك تراني، فصار الكون بهذا الاعتبار كله ظلمة، و إنما أناره تجلي الحق به و ظهوره فيه، فمن نظر إلى ظاهر حسه رآه حسا ظلمانيّا، و من نفد إلى باطنه رآه نورا ملكوتيّا.
قال اللّه تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ [النور: ٣٥]، فتحصل أن قول الشيخ: الكون كله ظلمة إنما هو في حق أهل الحجاب لانطباع ظاهر صور الأكوان في مرآة قلوبهم، و أما أهل العرفان فقد نفذت بصيرتهم إلى شهود الحق، فرأوا الكون نورا فائضا من بحر الجبروت فصار الكون عندهم كله نورا، قال اللّه تعالى: قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ [يونس: ١٠١]، أي من نور ملكوته و أسرار جبروته أو من أسرار المعاني القائمة بالأواني. و قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم: «إنّ اللّه احتجب عن أهل السماء كما احتجب عن أهل الأرض، و إنّ أهل الملإ الأعلى ليطلبونه كما تطلبونه أنتم، و إنه ما حلّ في شيء و لا غاب عن شيء[١]» انتهى. و هذه المعاني إنما هي أذواق لا تدرك بالعقل، و لا بنقل الأوراق و إنما تدرك بصحبة أهل الأذواق فسلم و لا تنتقد.
|
إذا لم تر الهلال فسلّم |
لأناس رأوه بالأبصار |
|
ثم قسم الناس في شهود الحق على ثلاثة أقسام عموم و خصوص، و خصوص الخصوص فقال: [فمن رأى الكون و لم يشهده فيه أو عنده أو قبله أو بعده فقد أعوزه وجود الأنوار و حجبت عنه شموس المعارف بسحب الآثار]. فأهل مقام البقاء يشهدون الحق بمجرد وقوع بصرهم على الكون، فهم يثبتون الأثر باللّه و لا يشهدون بسواه، إلا أنهم لكمالهم
[١] - لم أقف عليه.