ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٥٣ - ١١ - ادفن وجودك في أرض الخمول، فما نبت مما لم يدفن لا يتم نتاجه
استأذن أن يؤذن له، و إن قال إن يسمع له فقال له صلى اللّه عليه و آله و سلم:
«هذا يعني الفقير خير من ملء الأرض من هذا[١]». و في مدح الخمول أحاديث كثيرة و فضائل مشهورة، و لو لم يكن فيه إلا الراحة و فراغ القلب لكان كافيا و أنشد بعضهم و هو الحضرمي:
|
عش خامل الذكر بين الناس و ارض به |
فذاك أسلم للدّنيا و للدّين |
|
|
من عاشر النّاس لم تسلم ديانته |
و لم يزل بين تحريك و تسكين |
|
و قال بعض الحكماء: الخمول نعمة و النفس تأباه و الظهور نقمة و النفس تهواه.
و قال آخر: طريقتنا هذه لا تصلح إلا بقوم كنست بأرواحهم المزابل.
قلت: و يجب على من ابتلي بالجاه و الرياسة أن يستعمل من الخراب ما يسقط به جاهه و إن كان مكروها دون الحرام المتفق عليه بقصد الدواء، كالسؤال في الحوانيت أو الديار و كالأكل[٢]، في السوق، و حيث يراه الناس و كالرقاد فيه، و كالسقي بالقربة، و حمل الزبل على الرأس بوقاية، و كالمشي بالحفا و إظهار الحرص و البخل و الشح، و كلبس المرقعة و تعليق السبحة الكبيرة و كل ما يثقل على النفس من المباح أو المكروه دون الحرام. قال الشيخ زروق رضي اللّه تعالى عنه: و كما لا يصح دفن الزرع في أرض رديئة لا يجوز الخمول بحالة غير مرضيّة، و قياس ذلك بالغصّة لا يصح لأن فوت الحياة الحسية مانع من كل خير واجبا و مندوبا و تفويتها مع إمكان إبقائها محرم إجماعا لقوله تعالى: وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة: ١٩٥] بخلاف الخمول لا يفوت به شيء من ذلك إنما يفوت به الكمال، و هو نفي الجاه و المنزلة و أصله الإباحة انتهى.
[١] - رواه البخاري( ٥/ ١٩٥٨).
[٢] - هكذا في الأصل، و في المطبوع: الأكل.