ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٥٠ - ٢٢٨ - إن رغبتك البدايات، زهدتك النهايات
ولاية المال، إذا كان يعظم من أجله أو النسب إذا كان خاليا عن التقوى أو العلم إذا كان خاليا عن العمل و غير ذلك من رياسة الدنيا، فإنها تفنى و تنقطع، و يعقبها ذل و فقر، و الولاية التي تدوم هي الولاية التي تأتي من جهة الجمع، و هي العز باللّه، و الغنى به، و المعرفة له، و الغيبة عما سواه، فلا شك أن هذه ولاية لا تنقطع، و شرف لا ينفذ، و عز لا يبيد. يحكى أن سيدي عبد اللّه بن المبارك و كان من تابعى التابعين، و من العلماء العاملين الزاهدين قدم على هارون الرشيد، فلما دخل العسكر انكب عليه العسكر لزيارته، فوقع من الازدحام ضجة كبيرة حتى تقطعت النعال، و ارتفعت الغبرة، فأشرفت أم ولد هارون من قصر الخشب، فلما رأت كثرة الناس و ازدحامهم قالت: ما هذا؟ قالوا لها: هذا عالم خراسان، فقالت: هذا و اللّه هو الملك و العز، لا ملك هارون الذي يجمع الناس بالسوط و العصا. و أيضا الولاية التي تدوم تنسحب عليه و على ذريته، ثم تدوم فيهم على قدر جاهه عند اللّه، و عظيم ولايته، فكل من عظمت ولايته دامت على أولاده و أتباعه بقدر تلك الولاية، و هو معنى قوله تعالى على بعض التفاسير: وَ لْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ [النساء: ٩] الآية: أي و ليخش الذين خافوا على أولادهم فإن اللّه يحفظه فيهم، و قيل في قوله تعالى: وَ كانَ أَبُوهُما صالِحاً [الكهف: ٨٢]، إنه كان جدهم السابع، فحفظ اللّه كنز اليتامى ببركة صلاح الجد، و اللّه تعالى أعلم. و أما إن توليت الولاية التي لا تدوم فكن فيها على حذر، و لا تغتر بحلاوة بدايتها، فإن نهايتها مرارة، كما أبان ذلك بقوله:
٢٢٨- إن رغّبتك البدايات، زهّدتك النهايات.
قلت: الولاية التي لا تدوم كعز بمال أو جاه أو عشيرة أو غير ذلك من عز الدنيا أولها:
حلو لمتعة النفس و وجود حظها فيها، و آخرها مر لفقد تلك الولاية و لو بالموت، و لما يعقبه من الذل و الهوان، و لذلك قال ٧: «نعمت المرضعة و بئست الفاطمة[١]»، فإن رغبتك في هذه الولاية التي تفنى حلاوة بدايتها زهدتك فيها مرارة نهايتها فإن غرتك بظاهر بهجتها، فاعتبر
[١] - رواه البخاري( ٦/ ٢٦١٣)، و ابن حبان( ١٠/ ٣٣٤).